✍🏼عبدالمحسن محمَّد الحارثي
في البدء لم تكن الكلمات.
كان الشعور أولًا، وكان الجسد أول من حمل رسالته.
هناك - في المسافة الصامتة بين الإحساس والعبارة - وُلدت لغة الجسد ؛ لا كلُغةٍ تُتعلّم، بل كأثرٍ فطريّ يسكن طبيعة الإنسان.
المعنى لا يبدأ من اللسان، بل من الداخل.
وحين يفيض الداخل ؛ يبحث عن منفذ ، فيستقرّ في ملامح وجه، أو يرتجف في يد، أو يلمع في عينٍ سبقت لسان صاحبها. لذلك ، قال علماء النفس : إن الجسد يبوح قبل أن تُفلتره اللغة.
يشير بول إيكمان إلى أن الانفعالات الكبرى تظهر في تعابير خاطفة لا تستطيع الأقنعة الاجتماعية إخفاءها؛ كأن الوجه يكتب الحقيقة بالحبر السريع قبل أن تمحوها المجاملة.
ولم يكن هذا بعيدًا عن حكمة القدماء.
فقد رأى أرسطو : أن النفس والجسد وجهان لحقيقة واحدة.. بينما لمح أفلاطون إلى أن الجسد نافذة تتسرّب منها الروح حين تعجز عن الضبط الكامل.
أما التحليل النفسي ؛ فقرأ الجسد بوصفه أرشيفًا داخليًا.
يرى كارل يونغ : أن الظلال المختبئة في الأعماق تظهر في الإيماءة والنبرة.. بينما يؤكد سيغموند فرويد : أن المكبوت لا يختفي، بل يغيّر لغته فقط.
لكن التجربة الإنسانية تضيف ميزانها الأصدق.
فالحكماء والخطباء طالما قالوا: من صلح باطنه استقامت إشاراته، ومن اضطرب داخله تكلمت أطرافه بما كتم لسانه..فالسكينة تُرى قبل أن تُقال، والهيبة تُشاهد قبل أن تُعلن.
وفي الميدان الأمني ؛ تتحول هذه اللغة من تأملٍ إلى أداة قراءة.
فالمحققون الجنائيون يتعاملون مع الجسد كخريطة احتمالات لا كحكم نهائي؛ لأن البريء قد يرتبك، والمذنب قد يتماسك..لذلك يقول أهل الخبرة: لغة الجسد قرينة تُستأنس بها، لا إدانة يُقضى بها.
وهنا تتضح المزاوجة:
لغة الجسد طبيعةٌ عامة وبصمةٌ خاصة.
فيها لغة مشتركة تجمع البشر: الفرح يفتح الملامح، والخوف يضيّقها، والحزن يثقلها.
لكن داخل هذه المساحة تولد الفروق الدقيقة؛ تصوغها التجارب، ويغذّيها الشعور بالأمان أو فقدانه.
فمؤشر الأمان هو الرحم الخفي للمعنى.
الإنسان المطمئن يتكلم بجسدٍ هادئ، لا يكثر حركاته لأنه لا يحتاج أن يثبت شيئًا. أما القلق ؛ فيجعل الجسد يتكلم أكثر مما ينبغي؛ تسبق الإشارة الفكرة، وتلهث الحركة خلف الشعور.
غير أن للوجه سرًّا أعمق لا تبلغه كل الملامح… إنها لغة العيون.
فالعيون ليست مجرد نافذة، بل ممرّ المعنى الأكثر صفاءً..فيها يتجرّد الشعور من الحيلة، وتذوب المسافة بين الداخل والخارج.
لغة العيون ؛ تختصر ما تعجز عنه الخطب.
في الحبّ تتّسع النظرة حتى كأنها تقول: أنا هنا بلا دفاع..وفي الكره تضيق حتى تصبح العين سجنًا للمعنى لا مرآة له..وبين الاتساع والانقباض تولد أوضح ثنائيات الإنسان: القبول والرفض، الأنس والنفور، الطمأنينة والارتياب.
ولهذا ؛ كانت العيون أصدق من البيان.
قد يبتسم الفم مجاملة، لكن العين نادرًا ما تجيد التمثيل طويلًا؛ لأن الحقيقة تصل إليها قبل أن تمرّ على مراكز التهذيب الاجتماعي.
وقد تختصر العين ما تعجز عنه البلاغة كلها ؛ كما تقول الحكمة الشعرية:
في العينِ تختصرُ الأرواحُ سيرتَها
إمّا محبّةُ قلبٍ… أو تجافيه
ومع ذلك ؛ تبقى الحكمة الأجمل:
أن نفهم دون أن نتعجّل الحكم.
فليس كل دفءٍ حبًا، ولا كل جمودٍ قسوة. أحيانًا تتعب العيون من حمل ما في القلوب ) فتبدو باردة وهي مثقلة، أو حادة وهي خائفة..وهنا تظهر قيمة الفهم الرحيم، لا القراءة المتعجّلة.
لذلك ، كان العارفون يوصون:
اقرأ الوجوه كما تُقرأ المخطوطات النادرة؛ بحذر، وتواضع، ومساحةٍ للظن الجميل.
لغة الجسد ليست ما نراه في الآخرين، بل ما يكشفه الله لنا من إنسانيتهم … بقدر ما فينا من إنصاف.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات