المقالات

حسابات رمضانية

حسابات رمضانية

بقلم عماد عمر طيب
إنه شهرٌ في السنة يُقبل علينا، ثم ينصرف سريعًا دون أن نشعر بجريان ساعاته وأيامه. والغريب أننا نبدأ في الاستعداد لاستقباله منذ أشهرٍ تسبقه، ولكن كلٌّ منا يستعد له وفق رؤيته وتفكيره وأفعاله في هذا الشهر الكريم.
إنه شهر رمضان، يا سادة؛ شهر العبادة، شهر الزيادة والاستزادة من الخيرات، شهر العتق من النار، شهر المحبة والتسامح. ومع ذلك، غفلنا عن كثيرٍ من هذه المعاني السامية، وانشغلنا بما هو بعيد عن جوهر هذا الشهر ومقاصده.
فالاستعدادات في مجملها أصبحت خاطئة، وبعيدة عن الهدف السامي لهذا الركن الروحي الذي يُعدّ جزءًا من هويتنا الإسلامية.
هناك من يبدأ بالتزوّد من المواد الغذائية، وليس في ذلك عيبٌ أو خطأ، ولكن لماذا يتركّز الاستعداد على هذا الجانب فقط؟ نحن نأكل في كل شهور السنة، ولم يرد في أي مصدرٍ من مصادر التشريع تحديد نوعٍ أو كميةٍ معينةٍ من الطعام في رمضان. بل إن في رمضان وجبةً ناقصةً من الوجبات الثلاث المعتادة، إذ لا توجد وجبة غداء، ومن المنطقي أن نقلّل من شراء الأغذية. لكن ما يحدث هو العكس؛ فنجد أنفسنا نشتري بشراهة، ونبالغ في الانتقاء النوعي.
وهناك نوعٌ آخر من الاستعداد يتمثل في التزيين المنزلي بالكماليات والزينة التي توضع في كل غرف المنزل، بل وخارج المباني أيضًا، والغريب أن معظم هذه الكماليات مستوردة، وليست من الإنتاج المحلي.
ثم يأتي الاستعداد الترفيهي، من إقامة ما يُسمّى بالخيم الرمضانية لملتقى الأصدقاء، وتنظيم الدوريات الرياضية في الأحياء، وانتشار بسطات الأطعمة السريعة بكثرة خلال الشهر الكريم.
أما التسوق فحدّث ولا حرج. وهنا أعذر الناس؛ لأن ما يعقب رمضان هو العيد ولبس الجديد، ولكن من المفترض أن يكون ذلك دون مبالغة. وأقترح على المتسوقين أن يباشروا شراء ملابس العيد قبيل دخول رمضان بأشهر، لتخفيف الأعباء المالية والبدنية. فصاحب الأسرة المكوّنة من أربعة أفراد يمكنه أن يشتري لفردين في شهر رجب، وللفردين الآخرين في شهر شعبان، على سبيل المثال.
ومن وجهة نظري، فإن جميع هذه الاستعدادات مباحة، ولكن رمضان ليس شهرها.
فرمضان يجب أن نستعد له روحيًا، لا بدنيًا. رمضان شهر نقاءٍ واستشفاءٍ للروح، وتوجّه الفكر إلى الخالق سبحانه، ومراجعة جوانب التقصير في الذات أخلاقيًا وتعبديًا. وهو فرصة لتصحيح العلاقات مع من حولك؛ فإن كنت مستاءً فارضَ، وإن كنت غاضبًا فسامح، وإن كنت عاتبًا فتغاضَ.
وأول علاقةٍ ينبغي أن تعيد حساباتها فيها في رمضان هي علاقتك بالله سبحانه وتعالى. اشحن هذه العلاقة بالتعبّد، والتودد، والقرب، لا بالأكل والشرب والترفيه والتسوق. فرمضان شهرٌ لروحك، لا لبدنك.
كلمتان ونصف:
شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن هو شهر قراءة القرآن، شهر الذكر والصلاة على النبي الكريم، شهر القرب من الله سبحانه وتعالى أكثر وأكثر.