✍🏼عماد عمر طيب
مقولةٌ لا أعلم مصدرها، غير أنّها – في نظري – خاطئةٌ بكل مقاييس تفكيري، وهي:
«البعيد عن العين بعيد عن القلب».
لا، والله، بل قد يزيد الغالي قدرًا ومكانة، ويتعاظم الشوق، واعتصم بحبال المحبة كلما طال الغياب .
وكم من أحبة لنا تحت الثرى وما من حبل وصل بيننا وبينهم إلا الدعاء ويا لرجائنا إذا ما زارونا حلمًا في المنام، فكانت الرؤيا وصلاً، وكان الشوق دعاءً آخر.
فالغياب عن العين لا يطرد الأحبّة من القلب، بل يرسّخهم فيه.ويغدو الحضور الغائب وقود الشوق؛ مسافرًا كان، أو راحلًا، أو عاتبًا يحمل في صمته ألمًا.
في الحالات الثلاث، تجدني أفكّر في هذا الغائب:
فإن كان راحلًا تحت الثرى، دعوت له كثيرًا، وجعلت الدعاء وصله الذي لا ينقطع فالحُب دُعاء !
وإن كان مسافرًا، انتظرت عودته بفارغ الصبر، وعددت الأيام شوقًا لا مللًا.
وإن كان عاتبًا، سعيت واجتهدت، وخطّطت ووضعت ألف دليلًا لإرضائه؛ لأن القلوب أثر حبها يُحفر كوشمٍ لا يزول.
فكيف انتشرت هذه المقولة وكأنها حقيقةٌ مسلَّم بها؟
إن مقولتنا محلّ التصحيح في هذا المقال ولا تحتمل التسليم بها أبدًا؛ فلو كانت صحيحة، لصرنا مجتمعًا قليل الوفاء، ضعيف الإخلاص.
فهل إذا غاب صديقي عن عيني أبحث عن صديقٍ آخر لأن قلبـي – حسب المثل – قد نسيّه؟
وهل يُعقل أن نُبعد الإخوة، والأزواج، والأقارب عن قلوبنا لمجرد غيابهم عن أعيننا؟!
لا، والله، أبدًا.
فمن غاب من أحبّتنا مدةً، يختلس كرسي حضوره الغائب في القلب بالشوق الجليل، وترتفع مكانته فيه، وعند عودته يفيض شلال المحبة قوةً وصفاءً، وتضيء كل مصابيح الودّ إليه، فنُحسن له أكثر من الذي كان حاضرًا على الدوام.
وقد قيل قديمًا: «زِد غيابًا، تَزْدَد حبًا».
وليست هذه المقولة وحدها مما ورثناه كمجتمع دون تفكيكٍ لمعانيه، أو فهمٍ لرموزه، أو بحثٍ في دواخله. لذلك، بات لزامًا علينا ألّا نسلّم تسليمًا أعمى للأقوال والعادات دون معرفة أصلها، ومصدرها، ومدى صلاحيتها للتطبيق في عصرنا الحالي، أو حتى في الأزمنة الماضية؛ فالخطأ لا زمان له ولا مكان.
كلمتان ونصف:
لا يجب علينا أن نتخذ الموروث مسلّمًا حياتيًا على الدوام؛ فبينه أمورٌ ضارّة، واستمرارها هو استمرارٌ للخطأ، والخطأ إن تُرك، لا يقف عند حدٍّ واحد، بل يتكاثر حتى يصنع فيضًا من الأخطاء يصعب تصحيحه.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات