المقالات

صعقة البرد.. أبياتٌ كأنها تحكي رحيله..👌💔

صعقة البرد.. أبياتٌ كأنها تحكي رحيله..👌💔

 

✍️ بقلم صفية بنت حسين كريري

استوقفتني أبيات بعنوان «صعقة البرد» من ديوان «طيوف حالمة»، سطرتها أنامل والدي، الشاعر حسين جبران كريري -رحمه الله- قبل وفاته بما يقارب عشرة أعوام.

قرأتُها اليوم بعينٍ مختلفة؛ وكأن والدي لم يكن يكتب عن الموت فحسب، بل كان يتأمل حقيقة الرحيل، ويصفه كما لو أنه يرى قصته القادمة.

قال رحمه الله:

لا يدري صاحبه إلا بمصرعه
مباغتٌ بغتةً كالصعق في البردِ

تُطوى صحائفه بكل ما رسمت
على خرائطها من أملٍ لغدِ

ينأى ودارٌ له أرسى قواعدها
لحقبةٍ بلغت عدًّا من المددِ

تقول صامتةً: مسكين يا رجلًا
تبني مشيدةً والقبر ملتحَدِ

وما أشد وقع هذه الأبيات حين تتطابق مع تفاصيل رحيله!

فقد كان رحمه الله، قبل وفاته، كثير التنقل بين مقر إقامته في منطقة الرياض ومسقط رأسه قرية فزع بمنطقة جازان، منشغلًا ببناء منزلٍ لعائلته، يضع حجرًا فوق حجر، ويرسم في دنياه أحلامًا لغدٍ يظنه قريبًا.

ثم جاءت تلك «الصعقة» التي وصفها في أبياته؛ وعكةٌ صحية مفاجئة نُقل على إثرها إلى مستشفى صامطة، ولم تمضِ إلا فترة قصيرة حتى وافاه الأجل إثر أزمة قلبية، صباح يوم الأحد الموافق 16-6-1436 هـ 

رحل أبي، وبقيت كلماته.

وبقيت تلك الأبيات التي كتبها قبل رحيله بسنوات، شاهدةً -بشكل يبعث على الدهشة- على قصة حياته ونهاية رحلته.

كان رحمه الله قوي الشخصية، شديد العزم، وفي قلبه عاطفة جياشة وإحساس مرهف؛ وقد اجتمعت هذه الصفات في شعره، فكان يكتب بقوة من يعرف الحياة، وبرهافة من يشعر بتفاصيلها.

وما بين بيتٍ كتبه، ودارٍ كان يبنيها، وقبرٍ لم يكن يدري أنه سيكون خاتمة رحلته، تتجلى لنا حقيقة الدنيا:

نخطط للغد، ونبني، ونأمل، ثم يأتي أمر الله؛ فتُطوى الصحائف، وتنتهي الرحلة، ويبقى الأثر.

اللهم عن كل خيرٍ قدمه أبي لنا، وعن كل أثرٍ طيبٍ تركه في حياتنا، فاجزه عنا خير الجزاء.
اللهم اجعل له أنهارًا من نعيم، وبردًا وسلامًا، وقطوفًا دانية، وأبدله عن منزله في الدنيا قصورًا في جنتك العالية.
اللهم ارفع منزلته، وأنر قبره، وآنس وحشته، واغفر له وارحمه، واجعل ما قدّمه من خيرٍ وعلمٍ وكلمةٍ طيبةٍ نورًا يجري له أجره.
اللهم اجمعنا به في الفردوس الأعلى، جمعًا لا فراق بعده، برحمتك يا أرحم الراحمين.

ختامًا:

بعض الآباء يرحلون بأجسادهم …لكنهم يتركون لنا كلماتٍ، كلما قرأناها شعرنا أنهم ما زالوا بيننا؛
تحدثنا إليهم من خلالها، ونستشعر أرواحهم بين حروفها، وكأن الغياب لم يكن إلا غياب الجسد لا الروح👌💔


              بقلم ✍🏻
صفيه  بنت حسين جبران كريري