المقالات

مكّة.. الردع الذي لا يُعلن حربًا

مكّة.. الردع الذي لا يُعلن حربًا

 

✍🏽عبدالمحسن محمد الحارثي

في مكة ؛ لم يُكتب اتفاقٌ على خصومة أحد، ولم تُغلق به أبواب التحالفات القائمة؛ بل أُضيفت إلى العلاقات السعودية والتركية والباكستانية مظلة أمنية ثلاثية، عنوانها الواضح: أمنُ أحد الأطراف ليس شأنًا منفردًا حين يتعرض لاعتداء.

وهنا تكمن أهمية الاتفاق..فالترتيبات الثنائية بين الدول الثلاث تبقى قائمة، ولا يأتي الاتفاق الثلاثي ليحل محلها أو يلغيها، وإنما يضيف إليها بُعدًا جديدًا من التنسيق والردع..فالدول قد تتعدد شراكاتها، لكن أمنها المشترك يستطيع أن يصنع بينها مساحة أكثر صلابة.

والرسالة الأهم: الاعتداء على دولة من الدول الثلاث لا يُفترض أن يبقى اعتداءً على دولة واحدة؛ بل يستدعي- وفق الاتفاق - موقفًا جماعيًا وردعًا مشتركًا.

وهذا هو الردع في صورته الأكثر نضجًا: أن تمنع الحرب قبل أن تقع، لا أن تبحث عنها بعد وقوعها.

فالردع لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى وضوح..وكلما عرف من يفكر في الاعتداء أن حساباته لن تتوقف عند حدود الدولة المستهدفة ؛ تضاءلت فرص المغامرة، واتسعت فرص السلام.

ولهذا لا يصح أن تُقرأ اتفاقية مكة باعتبارها محورًا مغلقًا أو إعلان مواجهة مع أحد. 

الدول الثلاث ليست بحاجة إلى خصومة جديدة، ولا إلى إلغاء شراكاتها الأخرى؛ إنما تحتاج إلى أن تقول للعالم : إن تنوع العلاقات لا يعني تشتت الموقف حين يتعلق الأمر بالأمن والسيادة.

ومن مكة تحديدًا ؛ تكتسب الرسالة معناها الأعمق.

فالمكان الذي ارتبط في الوجدان بالأمن والسكينة ؛ يشهد اتفاقًا جوهره حماية الأمن لا صناعة الحرب ؛ قوةٌ تُستخدم لمنع الصدام، لا لاستدعائه.

إنها معادلة سياسية ناضجة:

قوة بلا عدوان، وردع بلا تهديد، وتحالف بلا استعداء، واستعداد للرد دون رغبة في الحرب.

ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: من تستهدف الدول الثلاث؟

بل: ماذا تريد أن تمنع؟

والجواب واضح: تريد أن تمنع أن يُستفرد بأمن إحداها.

فمن أراد السلام ؛ فالأبواب مفتوحة.

ومن أراد الشراكة ؛ فالمجال واسع.

أما من أراد اختبار أمن إحدى الدول الثلاث ؛ فعليه أن يدرك أن الحساب لم يعد ثنائيًا.

هذه هي رسالة مكة:

لا نريد الحرب… ولذلك نبني ما يمنع الآخرين من التفكير فيها.