المقالات

كرامة المحتاج وبلاغة الطلب

كرامة المحتاج وبلاغة الطلب

 

 

علي بن عبدالله المالكي ✍️

دخل على هشام بن عبدالملك قوم من قريش، و كانوا يذهبون إلى الشام يطلبون صلة الرحم  من أبناء عمومتهم، فكان من بين القوم الذين دخلوا، أبو الجهم، وكان كبير في السن، فتكلم الخطباء، وكان هشام كل ما تكلم منهم متكلم اشغل نفسه في شيء عنده .!

فدخل في نفس ابو الجهم انهم لم ينالوا استحسان الخليفة، فتقدم على كبر سنه وقال: يا أمير المؤمنين، إن خطباء قريش تكلموا وأطنبوا، فلم يبلغ كل خطيب قدرك، ولا كل متكلم فضلك، فان رأيت يا أمير المؤمنين وأذنت تكلمت .. فالتفت له هشام بن 
عبد الملك ثم قال:  تكلم، فقال أوجز أم أطنب؟ قال بل أوجز، فقال يا أمير المؤمنين، تولاك الله بالحسنى، وزينك بالتقوى، وجمع لك أجر الآخرة والأولى، إن لي حوائج، أأذكرها أم أصمت؟ قال أذكرها، قال يا أمير المؤمنين، قد كبر سني، ونال الدهر مني، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينفي فقري، ويجبر كسري، فعل ! فقال هشام: وما ينفي فقرك ويجبر كسرك يا أبا الجهم؟ فقال ألف دينار وألف دينار وألف دينار ! (مفرقه) ..

فقال هشام هيهات هيهات يا أبا الجهم !  فقال يا أمير المؤمنين إن أعطيت، حقا أديت، وإن منعت سألت الذي بيده ما حويت، وسبحان الذي جعل العطاء محبة، والمنع مبغضة، ولإن أحبك أحب إلي من أن أبغضك .. فقال هشام: ألف دينار لماذا؟  فقال أقضي بها دينا، عناني حمله، وأضر بي أهله، فقال هشام: وفاء ذمة وقضاء دين، أمضينا لك هذه، ثم قال وألف دينار لماذا؟ قال أزوج بها من بلغت من ولدي، فقال هشام وأمضينا لك هذه حصنت مسلما، وحفظت نسل، وألف دينار لماذا؟ قال أبتني بها ضياعا تقيمني وتقيم ولدي من بعدي، فقال هشام، أما هذه ففي النفس منها شيء لأنها زيادة، ولكن أمضيناها لك مع ما سلف ، فقال ابو الجهم: الحمد لله الذي اجرى عطائي على يديك، فاتبعه هشام بن عبد الملك  بنظره حتى جلس فقال فليكن هكذا القرشي !. والله ما رأيت الين في سؤال، ولا أعذب في مقال من أبي الجهم، فليكن هكذا القرشي ..!

فانت لا تمثل نفسك فقط .! أنت تمثل أسرتك، وقومك، ومجتمعك، وبلدك، والجهة التي تعمل معها، فليكن حضورك راقيًا، وكلامك مهذبًا، وطلبك واضحًا، وخلافك محترمًا، وعملك متقنًا .!

كن ممن إذا غابوا افتقدهم الناس، وإذا حضروا احترموهم، وإذا تحدثوا أنصتوا إليهم .. وتذكر بان السلوك الفردي قد يصبح معيارا يقاس به كامل محيطك وبيئتك، فابو الجهم لم يتخلى عن كرامته عندما طلب، بالرغم ان أمير المؤمنين كان في مركز علو والسائل في موقع حاجة !