📝علي بن عبدالله المالكي
تُولد الأفكار الجبارة من رحم الأحداث العظيمة، وعندما تشتد الرياح، يتشبث كل كائن حي بما يثبّته، أما الكاتب فيحتمي بمحبرته، ويلف ذراعيه حول قلمه، كأنه سارية في قلب مركب تقاذفه الأمواج .!.
وها هي محبرتي تعود اليوم مثقلة بالحب وعبق الذكريات، تعبر معي محطات القطار بين سابك والإمام، ثم تمضي أخيراً إلى مرفأ في شمال المدينة، حيث يحين موعد الترجل بعد سبع سمان !
أقف عند عتبة الرحيل لألوّح بيدي لقلوب عشت معها أجمل تفاصيل العطاء، تقاسمنا حلم الإنجاز، وتعلمنا أن المسافات قد تتباعد، لكن الأثر الحقيقي للزمالة يظل محفوراً في الوجدان ! لقد كنتم المعنى الصادق لروح الفريق، والبوصلة التي وجّهت المسار نحو النجاح، فكل إنجاز تحقق كان يحمل بصمة من عقولكم، وجهداً من سواعدكم، وعرقاً من جباهكم المخلصة ...
قد تختلف المسارات المهنية والشخصية، غير أن زمالتكم لا تنتهي بانتهاء مرحلة من العمر، وقد اعتدت، بصفتي بحاراً، كثرة الترحال بين المرافئ، لكن بعض المرافئ تسكن البحار أكثر مما يسكنها .! وسيبقى أثركم في صياغة شخصيتي وتطوير أدواتي حياً، فنحن اليوم لا ننهي زمالة، بل ننقلها من زمالة الميدان إلى صداقة العمر .!.
سنلتقي، بإذن الله، في محطات أخرى من الحياة، وسنذكر بكثير من الفخر أننا وقفنا يوماً في خندق واحد، وحوّلنا الحلم إلى واقع يشار إليه بالبنان ..!
وعنواني الدائم حيث تكون محبرتي، فالكاتب يلجأ إلى قلمه ليبوح بشوق كامن أو حنين فائض إلى الوطن، والمحارب يلجأ إلى سلاحه في الشدائد، والمؤمن يلجأ إلى ربه في كل حين، ولا سيما عند المحن .. ويزداد هذا المعنى حضوراً ونحن نقترب من يوم الوطن؛ ذلك اليوم الذي يستنهض فينا ذاكرة الانتماء، ويذكّرنا بأن ما نقدمه في مواقعنا الصغيرة يصب في مجرى وطن كبير ..
وتحضرني هنا حكاية مؤثرة تُروى عن مأساة العبارة «السلام 98» إذ أوصى أب، في لحظات لا مكان فيها إلا لليقين، من حوله بأبنائه، ثم قال مطمئناً: «إن لم تجدني فابحث عني بين زمزم والحطيم»، يا لها من ثقة بالله، وتوكل خالص عليه .. وقد عدّ الشرع الغريق من الشهداء؛ فنسأل الله الرحمة لمن اجتمع عليه هول الحريق والغرق !
ومن ذاكرة الأمة نستعيد ما نحن أحوج إليه اليوم: معرفة الرجال، ووضع صاحب الخبرة في موضعه، ففي اليرموك، تذكر كتب السيرة أن أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، أمين هذه الأمة وأحد العشرة المبشرين بالجنة، قدّم خبرة خالد بن الوليد العسكرية، وترك له إدارة القتال، لم يكن ذلك انتقاصاً من قدر أبي عبيدة، بل سموّاً في القيادة، فالقائد الواثق لا يزاحم الكفاءة، وإنما يفتح لها الطريق ..
وعندما عزل عمر بن الخطاب خالداً عن القيادة، واصل خالد أداء واجبه جندياً كما أداه قائداً، ومن الحكم التي ذكرها المؤرخون لذلك القرار ألا تتعلق قلوب الناس بقائد مهما بلغ، وأن يبقى اليقين بأن النصر من عند الله وحده .. ثم لما توفي خالد وسمع عمر بكاء النساء عليه، نُسبت إليه كلمته: (دَعْهُنَّ يبكين؛ فعلى مثل أبي سليمان فلتبكِ البواكي)، ثم قوله: «رحم الله أبا بكر، لقد كان أعرف مني بالرجال .!.
في هذه المواقف كلها خيط واحد: الكاتب لا يستغني عن قلمه، والمحارب لا ينسى سلاحه، والقائد لا يستغني عن رجاله، والإنسان لا يستغني عن ربه ..!
أما أنا، فأغادر موقعاً أحببته، ولا أغادر أهله. أترجل من قطار مرحلة، لكنني لا أودّع الرحلة كلها .! سأبقى حيث تكون محبرتي، أكتب ما بقي في القلب من وفاء، وما بقي في الذاكرة من مواقف، وما بقي في العمر من أثر ...
ليست هذه كلمة وداع، بل تحية ممتدة إلى رفاق الطريق، ووعد بأن تبقى المحبة جسراً لا تقطعه المسافات، وأن تظل الذكرى مرفأ نعود إليه كلما اشتقنا إلى الأيام الجميلة .. !
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات