بقلم: الإعلامي أحمد الخبراني
كان أجدادنا يروون القصص بثقة عجيبة. فكل قرية فيها شجرة “مسكونة”، وكل بئر له حكاية، وكل طريق مظلم يسكنه جني لا يحب المارة بعد منتصف الليل. وإذا تأخر أحدهم في العودة، فالسبب جاهز: “أكيد قابل جنيًا!”
أما اليوم، فقد اختفت تلك الروايات، وكأن الجن عقدوا اجتماعًا طارئًا وقرروا الانسحاب من المشهد!
لم نعد نسمع أن أحدًا عاد إلى منزله وهو يقول: “رأيت عفريتًا”، ولم يعد أحد يروي أنه دخل بيتًا مهجورًا فوجد سكانه من العالم الآخر. حتى البيوت التي كانت تُعرف بأنها “مسكونة” أصبحت تُعرض للبيع في مواقع العقار، دون أن يذكر أحد أن فيها ساكنًا غير البشر.
فما الذي حدث؟
هل قررت الجن أن تترك لنا الكوكب بهدوء؟ أم أنها رأت ما يدور في وسائل التواصل الاجتماعي فقالت: “هؤلاء لا يحتاجون إلينا… لديهم ما يكفي من القصص!”
أم أن الحقيقة أبسط من ذلك؟ وأن كثيرًا مما كان يُحكى قديمًا كان وليد الخوف، وظلمة الليل، وقلة المعرفة؛ فيتحول أي صوت مجهول إلى جني، وأي ظل متحرك إلى عفريت، وأي بيت مهجور إلى قصة تتناقلها الأجيال.
لكن بعيدًا عن السخرية، فهناك حقيقة ثابتة لا خلاف عليها؛ فنحن نؤمن بوجود الجن إيمانًا جازمًا، لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عنهم في القرآن الكريم، وهم مخلوقات خلقها الله لعبادته كما خلق الإنس، قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. إلا أنهم من عالم الغيب، ولا نعلم عنهم إلا ما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلا يصح أن نعلّق كل حادثة غامضة أو كل قصة مجهولة على الجن، ولا أن نبني معتقداتنا على الحكايات الشعبية وروايات الماضي.
ومع ذلك… دعونا نفتح باب الخيال لدقيقة واحدة!
ماذا لو أن الجن لديهم أيضًا قصصهم عن البشر؟
ربما إذا مرض أحدهم قالوا: “أكيد مرّ به إنسي!” وإذا تعثر آخر قال كبيرهم: “قلت لكم لا تقتربوا من عالم البشر!” وإذا توفي أحدهم بدأ الجميع يتساءل: “من آخر إنسان شاهده؟”
وربما لديهم جدٌ يجلس كل ليلة يحذر أحفاده قائلًا: “إياكم والاقتراب من مساكن البشر… فهؤلاء لا يُؤمن جانبهم!”
وقد يعود طفل من صغار الجن إلى منزله مذعورًا وهو يصرخ: “رأيت إنسانًا!” فيربت والده على كتفه ويقول: “اهدأ… اقرأ المعوذات، ولن يقترب منك بإذن الله.”
وربما لديهم أيضًا وسائل تواصل اجتماعي تنتشر فيها منشورات بعنوان: “تحذير من ظهور بشر في الوادي”، و**“إنسي يتجول بعد منتصف الليل”**، ثم يخرج أحد عقلائهم ليكتب مقالًا بعنوان: “أين اختفت قصص البشر؟ وهل أخذوا إجازة من الجن؟”
وبالطبع، فكل ما سبق مجرد خيال ساخر، لا يُراد به وصف عالم الجن أو الجزم بشيء من أحوالهم، وإنما هو محاولة لابتسامة خفيفة تذكرنا بأن الإنسان كان كثيرًا ما يملأ فراغ المجهول بالقصص، حتى تحولت بعض الحكايات مع مرور الزمن إلى مسلمات في أذهان الناس.
واللافت أن التقنية تطورت، والكاميرات أصبحت في جيب كل إنسان، وتوثق أدق التفاصيل، ومع ذلك اختفت تلك الروايات التي كانت تملأ المجالس. فلم نعد نسمع عن “العفريت عند البئر”، ولا “الجني في الشجرة”، ولا “ساكن البيت المهجور”. اختفت الحكايات… وبقيت الذكريات.
وربما لم تختفِ الجن أصلًا، ولم تأخذ إجازة من البشر… بل الذي تغير هو الإنسان. فقديمًا كانت لياليه أطول، وخياله أوسع، والظلام يترك مساحة للأسئلة والحكايات. أما اليوم، فقد انشغل بإيقاع الحياة المتسارع، وأعماله، وأسرته، ومسؤولياته، حتى لم يعد يمنح خياله تلك البطولة التي كانت للجن في قصص الأجداد.
ويبقى السؤال الذي يستحق الابتسامة قبل الإجابة:
هل اختفت قصص الجن… أم أننا كبرنا، واتسعت معارفنا، فأدركنا أن كثيرًا مما كان يُروى لم يكن سوى حكايات شعبية، بينما بقيت الحقيقة الثابتة كما هي: نؤمن بالجن كما أخبرنا الله، ونؤمن أيضًا بأن الغيب لا يُبنى على القصص، بل على ما ثبت في الوحي؟
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات