المقالات

حين يكون الشكر أسلوب حياة رحلة حفظ النعمة ..

حين يكون الشكر أسلوب حياة رحلة حفظ النعمة ..

 

بقلم / عبيد بن عبدالله البرغش

في زمنٍ تتسارع فيه مظاهر الاستهلاك، وتتزايد فيه معدلات الهدر، تصبح قيمة حفظ النعمة ضرورةً دينية، ومسؤوليةً وطنية، وسلوكًا حضاريًا يعكس وعي الأفراد ورقي المجتمعات. 

فالنعم لا تدوم بكثرتها، وإنما تدوم بشكرها، وحسن استثمارها، وصيانتها من الإسراف والتبذير.

لقد جعل الإسلام شكر النعمة منهجًا للحياة، وربط بقاءها وازديادها بحسن التعامل معها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. 

فالشكر الحقيقي لا يُقاس بالأقوال وحدها، بل يترجم إلى أفعال تحفظ النعمة، وتمنع إهدارها، وتجعل منها وسيلةً للعطاء والإحسان.

ومع الأسف، لا تزال صور الهدر تتكرر في كثير من المناسبات والمنازل والمنشآت، حيث تُلقى كميات كبيرة من الطعام والموارد الصالحة للاستخدام، في مشهدٍ يتنافى مع تعاليم ديننا، ويخالف قيمنا الأصيلة، ويُهدر موارد وطنية ثمينة، بينما هناك من يحتاج إليها.

إن حفظ النعمة لا يقتصر على الطعام فحسب، بل يشمل الماء، والطاقة، والمال، والوقت، وكل موردٍ أنعم الله به على الإنسان. 

فحسن إدارة هذه النعم، والاعتدال في استهلاكها، وإيصال الفائض منها إلى مستحقيه، هو استثمارٌ في الإنسان، وحمايةٌ للبيئة، وتعزيزٌ للاستدامة، وترسيخٌ لقيم التكافل والمسؤولية الاجتماعية.

ولأن بناء الوعي يبدأ من الإنسان، فإن الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، جميعها مطالبة بتعزيز ثقافة حفظ النعمة، وتحويلها إلى سلوكٍ يومي يمارسه الكبير قبل الصغير، حتى تصبح جزءًا من هوية المجتمع وثقافته.

كما أن المبادرات الوطنية والجمعيات المتخصصة في حفظ الطعام وإعادة توزيع الفائض تمثل نموذجًا مشرفًا للعمل الإنساني، وتستحق الدعم والتشجيع، لما تؤديه من دورٍ في الحد من الهدر، وخدمة المحتاجين، وتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة، وتعزيز جودة الحياة.

وفي الختام؛ لا يسعنا إلا أن نرفع أسمى آيات الشكر والعرفان والامتنان لكل الجمعيات والمؤسسات والكيانات والمنظمات التي جعلت من حفظ النعمة رسالةً ومسؤولية، وأسهمت بجهودها المباركة في نشر الوعي، وتعزيز ثقافة الترشيد، وتفعيل دور الإعلام في التثقيف المجتمعي، وتحريك المبادرات الفكرية والمجتمعية التي تصون النعم وتحفظها من الهدر. 

إن ما تقومون به من عملٍ نبيل هو امتداد لقيمنا الأصيلة، وتجسيد حي لمعاني التكافل والعطاء، فلكم منا كل التقدير، ولجهودكم كل الإشادة، سائلين الله أن يبارك في أعمالكم، ويجعلها في موازين حسناتكم، وأن يديم على وطننا نعمه ظاهرةً وباطنة.