بقلم: فلاح بن علي الزهراني
لكل مرحلة ظروفها ودوافعها، وللصعاب رجالها وحلولها. وإذا أراد الله أمرًا هيَّأ له أسبابه، ذلك تقدير العزيز الحكيم.
لقد جاء الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- في وقت كانت الجزيرة العربية أحوج ما تكون إلى إعادة توازنها، بعد حالة التخبُّط والضياع والارتكاس في ظلمات الجهل والانحرافات العقدية، إضافة إلى التشتُّت والتناحر الذي أدى إلى انعدام الأمن وضيق العيش لدرجة لم تعد تطاق. كان ذلك نتيجة لانعدام السلطة الحاكمة التي ترعى مصالحهم، وتؤمّن حياتهم، وتجمع شتاتهم، وتأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير والصلاح، وبما يضمن لهم العيش بسلام وأمان.
لقد أدرك المؤسس الأول-رحمه الله- بحسِّ المسؤولية تجاه وطنه وأهله؛ أن ليس لهذه الأرض التي توارثت المجد كابرًا عن كابر إلا رجالها الأوفياء؛ كي تعود لسابق عهدها -موئلًا للإسلام، ومحطًّا للعلم والأدب، ومرجعًا دينيًّا ومنبرًا أدبيًّا، إذ هي مهد الحضارات الضاربة في عمق الزمن، منها شع نور الهداية الربانية، كما هي منبع العربية الفصحى وموطنها.
تضافرت تلك الدوافع في نفس الإمام محمد بن سعود فكان له ما كان من النضال حتى أتسع ملكه، واستتب معه الأمن، وانتشر العلم، لتستعيد بعد ذلك البلاد عافيتها الدينية وحراكها الثقافي والأدبي، لتبدأ مرحلة جديدة تحاكي ما كان لها في عصورها المتعاقبة من وهج علمي أدبي ذاع صيته وانتشر، إذ كانت محفلًا للشعر والشعراء، ومنصة للخطابة والحكماء، وما عكاظ وذي المجاز إلا شواهد لا تمحى، وما قس بن ساعدة والسابقون الأولون من شعراء وخطباء منها ببعيد!
بدأ تفكير الإمام محمد بن سعود في تأسيس الدولة السعودية الأولى فور توليه إمارة الدرعية منتصف عام 1139هـ (فبراير 1727م)، مستهدفًا توحيد الدرعية واستقلالها السياسي، وتأمين طرق الحج والتجارة، وتعزيز الاستقرار في نجد. لم يكن توليه هذه الإمارة بدعًا، بل إرث تاريخي يعود لأكثر من(280) عام منذ تأسيس الدرعية عام 850هـ (1446م) على يد الأمير مانع بن ربيعة المريدي (جد الأسرة السعودية).
لقد خلف الأمير محمد بن سعود والده الإمارة، وكان قبل ساعده الأيمن، ما أكسبه خبرة وبعد نظر، واطلاعًا على أحداث الجزيرة وصراعاتها واضطراباتها. دفعته هذه الخبرة إلى التفكير في بناء كيان سياسي شامل يوحّد القبائل والإمارات، وينشر الدعوة الإصلاحية، ويقضي على التفرق والتناحر، تحت مظلة دولة مستقرة يعمّ فيها الأمن والأمان تحت راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، تقوم على العدل والاستقلال. وقد تبلور هذا الهدف فعليًّا بعد تحالفه مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1157هـ/1744م.
لقد انتهج الإمام في توحيد ملكه نشر الوعي الديني لتنوير العقول وتصحيح المفاهيم، وإعادة الناس إلى الدين الصحيح، مع توسيع الفتوحات وتوحيد الصفوف، حتى امتد نفوذه ليشمل معظم الجزيرة العربية، بعد أن رأى الناس فيه المصلح المخلص والمجدِّد الذي يخلِّصهم من الجهل والفوضى.
لقد توالى على حكم الدولة السعودية الأولى أربعة حكام: المؤسس الإمام محمد بن سعود، ثم ابنه عبد العزيز بن محمد، ثم أحفاده سعود بن عبد العزيز وعبد الله بن سعود، خلال الفترة من 1139هـ (1727م) إلى 1233هـ (1818م).
ولا شك أن الأصل الراسخ يحيا من جديد، ويعاود الظهور أقوى وأنضر، فنهضت الدولة مجددًا على يد الإمام تركي بن عبد الله بن سعود بعد سبع سنوات من الإعداد والتهيئة، ليؤسس الدولة السعودية الثانية (1240-1309هـ / 1824-1891م)، متخذًا الرياض عاصمة لدولته، التي شملت نجد وشرق الجزيرة العربية، سائرا على خطى آبائه في نشر العلم والعقيدة الصحيحة، مع التركيز على استتباب الأمن ونشر العدل وسيادة الدولة. وقد توالى على الحكم بعد الإمام تركي: ابنه فيصل بن تركي، ثم ابنا فيصل: عبد الله وعبد الرحمن -والد مؤسس المملكة الحديثة الملك عبد العزيز آل سعود- وكان الإمام عبد الرحمن آخر حكام الدولة الثانية.
وما هي إلا سنوات قلائل حتى أشرقت شمس الدولة السعودية الثالثة، باستعادة الرياض في: 5 شوال 1319هـ (15 يناير 1902م) على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- ثم توالت الفتوحات بجهد متواصل وعزم أكيد، حتى توِّجت بتوحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية في: 21 جمادى الأولى 1351هـ (23 سبتمبر 1932م).
وها هي المملكة العربية السعودية أصبحت نموذجًا يُضرب بها المثل في التطور المستمر والنمو المضطرد والتقدم الممنهج، وفق خطط تنموية تأخذ بيد الإنسان قبل المكان نحو الرقي والتحضر. وها نحن اليوم نعيش العصر الذهبي لهذه الدولة، التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ منذ القرون الأولى للجزيرة العربية، والتي اكتسبت أهميتها من موقعها الاستراتيجي الحيوي؛ الجغرافي والتاريخي والديني، والتي أوجدت تفردا لمواطنيها ببصمات لا تمحى من المبادئ والقيم العميقة: الفتوة والكرم، الشهامة والشجاعة، البطولة والإقدام، الأخلاق والنبل.
إن مما زاد هذه البلاد شرفًا احتضانها لبيت الله الحرام ( الكعبة المشرفة) قبلة المسلمين ومهوى الأفئدة، ومبعث خير الرسل وخاتم الأنبياء محمد- صلى الله عليه وسلم- ذلك التكريم الذي خصَّها الله به لتكون منارة علم وقبلة عبادة، فلا يليق بها إلا أن تكون مثالًا في العدل ورسوخ القيم.
إن من يتأمل تدرج الحكم عبر مراحلها الثلاث يجد تسلسلًا متصلًا في تناقل الحكم السعودي دون انقطاع منذ نشأتها الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، إلى العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- هذا الامتداد الذي يؤكد العمق التاريخي للمملكة وبما يتجاوز ثلاثة قرون، في حين جذور حكم آل سعود الذي نشأ بنشوء الدرعية يمتد لما يقرب من ستة قرون، ما أكسب قيادتها مكنة وخبرة وحنكة وبصيرة نافذة. ذلك أيضا ما عمق التلاحم بين الشعب والقيادة، معززًا بالممكنات الدينية والاقتصادية والسياسية، مما أوجد منعة ونفوذًا عالميًّا، بل جعلها نموذجًا فريدًا في الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة وجودة الحياة.
كما أن لموقعها الاستراتيجي، وحراكها التفاعلي مع العالم، إضافة للتسارع التقني والصناعي، والانفتاح على الأسواق وتبادل السلع، مع سهولة الإجراءات من خلال التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية- جعلها هدفا للعمل والاستثمار، وكذلك وجهة سياحية مفضلة، بما تملكه من مقومات تراثية وثقافية وبيئية.
خاتمة:
تعيش المملكة العربية السعودية أوج التقدم والرخاء في هذا العهد الزاهر، حيث شكلت( رؤية 2030) نقلة نوعية وخارطة طريق لتنمية شاملة ومستدامة، بسرعة إنجاز ودقة تنفيذ، وجودة مخرجات، بأيدٍ سعودية شابة ومؤهلة، بخطوات واثقة وجريئة، شعارها:
إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ .. فإن فساد الرأي أن تترددا
ولا شك أن الأمير محمد بن سلمان صانع هذا التحول، الذي جعل للمملكة رقما صعبا في ترتيب السباق العالمي، فكانت عبارته الشهيرة: «همة السعوديين مثل جبل طويق، ولن تنكسر إلا إذا انهد هذا الجبل» التي أطلقها في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار بالرياض عام 2018م (1440هـ). بمثابة طاقة حراك شعبي ألهبت الحماس والثقة للمشاركة والتفاعل، كما أثارت الشغف للإبداع والابتكار.. نتيجة لذلك تصدرت المملكة مراكز متقدمة عالميًّا، فحلت في المرتبة ( 17) في مؤشر التنافسية العالمي (IMD) لعام 2025، متفوقة على قوى اقتصادية كبرى، واحتلت (المركز الرابع) بين دول مجموعة العشرين (G20)، ما يعكس مرونة الاقتصاد وتنوعه ونموه المستدام.
(رب اجعل هذا بلدا آمنا)
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات