بقلم: عماد عمر طيب
نعم، إنها وصيّة النبي الكريم ، عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم: «ولا يُكرمهنّ إلا كريم». ومن هنا، يتوجّب على كل رجل -وأنا أخاطب الرجال لا الذكور- أن يكون سلاحًا في يد المرأة التي أولاه الله أمرها، ودرعًا واقيًا لها من غدر المحيطين والمتربصين، لا أداة قهرٍ عليها ولا خصمًا في وجهها.
كن لها ومعها، ولا تكن ضدّها. أعنها ولا تُعن عليها؛ فالمرأة كيانٌ رقيق، لا يحتمل الهجوم المستمر ولا التقريع المتكرر ولا الإهانات اللاذعة. خُلقت لتزدهر بالكلمة الطيبة، وتكبر بالثقة، وتفيض بالعطاء حين تجد من يفهم قلبها. وبقدر ما تمنحها من أمانٍ ومشاعر صادقة، تمنحك تقديرًا أعمق وحبًا أنقى.
هي أمّ، وخالة، وعمّة، وأخت، وزوجة، وابنة؛ وهي الركن الدافئ، والسكن الذي تهدأ إليه القلوب، والمودّة التي تزيّن تفاصيل الحياة. فكن لها حصنًا، ولا تسمح ليدٍ عابثة أن تمتدّ إليها، ولا لكلمةٍ قاسية أن تنال من كرامتها. فمشاعرها كزجاجٍ صافٍ؛ إن انكسر صعب جبره، وإن جُبر ظلّ يحمل أثر الكسر. فلا تجعل كسرها أمرًا هيّنًا.
هذه كلماتٌ تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها كبيرة في معناها؛ أكتبها لأُعيد التوازن إلى النظرة تجاه المرأة، ولأذكّر بأن القوة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في الاحتواء. فالأخت موضع رحمةٍ في قلب أخيها، فلا يطغى في معاملته لها، بل يكون الصدر الحنون بعد الأب.
كما أن قرب الأب من ابنته يصنع فارقًا عظيمًا؛ يصغي لتحوّلات مشاعرها، ويفهم احتياجاتها النفسية المتبدّلة، فلا يكسر خاطرها، بل يوجّهها برفق. يمنحها ثقةً تُنشئ شخصية متماسكة لا يستطيع عابثٌ اختراقها. وهنا يكتمل المشهد بدور الأم، التي تحيطها برعايتها وحنانها، فيتوازن البناء النفسي وتزدهر الشخصية.
إن مساندة البنات والأخوات ليست ترفًا عاطفيًا، بل مسؤولية تُسهم في صناعة إنسانٍ سليم النفس. ومن هنا يبدأ دور الزوج، حين يكتب أول سطور الحياة الزوجية: الثقة، ثم الاحترام، ثم المحبة والمودّة. فبدونها لا يقوم بيت، ولا يصمد بناء عند أول اختبار.
إن فهم المرأة فنّ، لا يتقنه من يختزلها في صورٍ نمطية أو يحمّلها ما ليس فيها. فالمشكلة غالبًا في سوء الفهم، لا في طبيعتها. هي وعاءٌ جميل؛ ما يُوضع فيه يعود أثره مضاعفًا. فاللطف يُثمر لطفًا، والقسوة لا تُنبت إلا مزيدًا من القسوة.
ومن المؤلم أن تُعامَل الشريكة أحيانًا كوسيلة لا كإنسانة، تُختزل في تلبية الرغبات ويُغفل عالمها الداخلي. بينما جاء ديننا ليقرّر إنسانيتها كاملة: لها حقوق، وعليها واجبات، ولا يستقيم أداء الواجبات إلا حين تُصان الحقوق في ميزانٍ عادل.
ولست أنحاز للمرأة إلا لأن الواقع كشف صورًا من ظلمٍ تجاهل جانبها المعنوي، فآثرت بعض النساء الانسحاب والانطواء، وقبلن أدوار الصمت المؤلم. غير أن قيمنا لا تقبل بهذا، بل تدعو إلى الإنصاف والرحمة وصيانة الكرامة.
فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل روحُه ونبضُه. بدونها يفقد المجتمع دفئه ومعناه، ويغدو كيانًا بلا حياة. بل لا أبالغ إن قلت: لا حياة دون حضورها. فمع الأم جذور، ومع الأخت نخوة، ومع الابنة عاطفة، ومع الزوجة سكينة وحب. وكثيرًا ما يستمد الرجل أجمل ما فيه من هذا الحضور الأنثوي العميق.
كلمتان ونصف :
كونوا لنسائكم سماءً لا تضيق، وأمانًا لا يتزعزع، واحتواءً لا يُشعرهن بأن عليهن القتال وحدهن. فالمرأة حين تُكرم تزهر، وحين تُفهم تطمئن، وحين تُحبّ تعطي الحياة شكلًا أجمل.
كونوا لهن سندًا، يكن لكم سكنًا.
وما أجمل حياةً يُظلّلها الودّ، وتكبر فيها القلوب مطمئنّة.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات