منوعات

غياب العظماء وتسلّط الجبناء

غياب العظماء وتسلّط الجبناء

بقلم / موضي عوده العمراني

في كل زمانٍ ومكان، تبرز شخصيات استثنائية تحمل على عاتقها قيم الشجاعة والصدق والنبل، فتكون بمثابة المنارات التي تهدي الناس إلى الطريق الصحيح. هؤلاء هم العظماء؛ ليسوا بالضرورة أصحاب مناصب أو ألقاب، بل أولئك الذين يملكون مواقف عظيمة، وعقولًا مستنيرة، وضمائر لا تساوم على الحق. وجودهم يمنح المجتمع توازنًا، ويصنع حالة من الهيبة الأخلاقية التي تجعل الصغار في النفوس يتوارون خلف ضعفهم، فلا يجد الجبن مكانًا يتسلل منه إلى الصدارة.

لكن ما إن يغيب العظماء، حتى يحدث خللٌ في ميزان المشهد. ينشأ فراغٌ لا تملؤه الكفاءات دائمًا، بل يتسلل إليه أولئك الذين لم يكن لهم حضور إلا في الظل. يخرج الجبناء من مخابئهم، لا لأنهم أصبحوا أكثر قدرة أو علمًا أو حكمة، بل لأن الساحة أصبحت خالية من القامات التي كانت تكشف زيفهم وتضعهم في أحجامهم الحقيقية.

فالجبان لا يملك شجاعة البناء، بل يتقن فن الهدم. لا يصنع نجاحًا، وإنما يجيد مصادرة نجاح الآخرين. يخشى أصحاب الفكر والكفاءة؛ لأن وجودهم يفضح ضحالة فكره وهشاشة شخصيته. لذلك يحيط نفسه بالمصفقين، ويقصي أصحاب الرأي، ويعتبر كل عقلٍ ناضج تهديدًا لسلطته، وكل كلمة صادقة إعلانًا عن نهاية نفوذه.

إن تسلّط الجبناء لا يبدأ بالقوة، بل يبدأ بالخوف. خوفٌ من الحقيقة، وخوفٌ من المنافسة، وخوفٌ من كل من يملك ما يفتقرون إليه من علمٍ وأخلاقٍ وحضور. ومن هنا تنشأ بيئات طاردة للكفاءات، يعلو فيها صوت التملق، ويُكافأ فيها الولاء الأعمى، وتُحارب فيها النزاهة والكفاءة؛ لأن الجبان لا يريد شركاء في النجاح، بل أتباعًا يرددون ما يقول، ويصفقون لكل قراراته، وإن كانت تقود الجميع إلى الهاوية.

العظيم قد يرحل، لكن أثره يبقى حيًا في القلوب والذاكرة. أما الجبان، فمهما طال، فإنه يظل عابرًا، لأن مبادئه قائمة على الخوف لا على الاحترام، وعلى الإقصاء لا على الإنجاز، وعلى التصفيق المصطنع لا على المحبة الصادقة.

إن أخطر ما في غياب العظماء ليس فقدان أشخاص بأعينهم، بل فقدان النموذج الذي يُحتذى به، والصوت الذي يقول «لا» في وجه الخطأ، واليد التي تمتد لتبني لا لتهدم. وعندما يغيب هذا النموذج، يجرؤ الجبناء على ارتداء أقنعة البطولة، ويظنون أن المنابر تمنحهم قيمة، وأن المناصب تصنع منهم عظماء.

لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن العظمة لا تُورث بالمناصب، ولا تُشترى بالنفوذ، ولا تُصنع بالتصفيق. العظمة موقف، والعظمة شجاعة، والعظمة قدرة على الانتصار للحق حتى في أكثر اللحظات ظلمة. أما الجبن، فمهما ارتدى من أثواب القوة، يبقى خوفًا متنكرًا في هيئة سلطة.

وسيظل التاريخ يكتب بمدادٍ لا يجف: عندما يغيب العظماء، يرتفع ضجيج الجبناء، لكن الضجيج لا يصنع مجدًا، ولا يمنح صاحبه خلودًا. فالنجوم الحقيقية قد تغيب عن السماء، لكنها تترك نورًا يهدي الأجيال، أما الشرارات العابرة فلا تلبث أن تنطفئ، تاركةً خلفها رمادًا من الوهم وسيرةً لا يذكرها أحد.