المقالات

إدارة التجربة… لا إدارة الخدمة

إدارة التجربة… لا إدارة الخدمة

عندما يدفع العميل مبلغًا من المال، فهو لا يبحث عن خدمة فحسب، بل يتطلع إلى تجربة فريدة، تجربة تُروى، وتتداول بين الناس بإيجابية لا بسلبية .. وهنا يختلط المفهوم لدى الكثيرين بين خدمة العميل والعناية به (Customer Servic/Care)، وبين تجربة العميل (Customer Experience)(CX)،

فالأولى خدمة مدفوعة، تدخل ضمن تكلفة المنتج، وهي واجب أساسي على مقدم الخدمة القيام به، أما الثانية، فهي الانطباع الكلي الذي يخرج به العميل سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا، وهو ما يترك الأثر الأعمق على سمعة العلامة التجارية ومكانتها في أذهان العملاء .!.

ومن هنا تأتي أهمية إدارة التجربة أو ما يمكن تسميته بـ (خلق التجربة )، وهي تختلف اختلافًا جذريا عن مجرد تشغيل الخدمة أو إدارتها، فإدارة الخدمة تهتم بالكفاءة، بينما إدارة التجربة تهتم بالشعور .!.

ومما سبق يتضح لنا أن تجربة العميل تمثل تطورًا طبيعيًا لمراحل تقديم الخدمة، حيث تمر بعدة محطات، ولكل محطة إدارتها الخاصة .. ولعل السبب الجوهري للاهتمام بهذا التخصص هو الحفاظ على سمعة المنتج أو الخدمة، وتعزيز الارتباط العاطفي بين العميل والعلامة التجارية .!

ونظرًا لحساسية هذا المجال وتطوره المتسارع، لن أتعمق في كل تفاصيله، ولكنني أحببت أن أشارك ببعض النقاط الأساسية التي تُشكل ملامحه، فتجربة العميل هي بحر واسع، ولو اخذنا القنوات الالكترونية على سبيل المثال، فتبدأ بـ واجهة المستخدم (UI)، وتجربة المستخدم للنظام (UX)، ثم يمتد إلى نقاط الاتصال أو التلامس (Touch points)، ومنها إلى نقاط التفاعل أو التداخل (Interaction points)، وهي جزء من نقاط التلامس وتشمل القنوات الإلكترونية والمكانية على حد سواء ..!

وكل ما سبق يندرج تحت مفهوم رحلة العميل (Customer Journey)، حيث تبدأ هذه الرحلة منذ لحظة التفكير في شراء المنتج أو الخدمة، مرورًا بتجربة الشراء أو الاستخدام، وانتهاءً بمرحلة ما بعد الخدمة، وهذه المرحلة الأخيرة غالبًا ما تُهمل، رغم أنها الأكثر تأثيرًا في بناء الولاء أو فقدانه .!

ومن أهم عوامل نجاح هذه الرحلة ما يُعرف بـ شخصية العميل (Persona)، وهي بناء نموذج افتراضي يعكس ميول العملاء، واهتماماتهم، وأنماط سلوكهم، وأماكن تواجدهم، وأوقات تفاعلهم المفضلة ..

وللحصول على هذا الفهم العميق، تعتمد كثير من الأنظمة الحديثة على تحليل البيانات الخام (Raw Data)، ومن ذلك استخدام ملفات تعريف الارتباط (Cookies)، التي تُمكّن من تتبع الاهتمامات وتقديم محتوى مخصص، وربما لاحظت كيف تظهر إعلانات تسويقية ببريدك الوارد، مطابقة لما كنت تبحث عنه سابقًا، وهذا مثال عملي على دقة بناء شخصية العميل .! 

ولكي تكون ملمًا بهذا التخصص الحساس، لا بد أن تضع رضا العميل نصب عينيك، وأن تعمل على حل مشكلاته بفعالية، والاستماع لملاحظاته، وتبني مقترحاته .. وذلك لبناء استراتيجية متكاملة، تُعرف بـ التمحور حول العميل (Customer Centricity)، حيث يصبح العميل محور كل قرار، وليس مجرد متلقٍ للخدمة ..

نحن اليوم نعيش في زمن ارتفع فيه سقف توقعات العميل بشكل غير مسبوق، وأصبح أكثر وعيًا وخبرة، وإن لم تواكب هذا التحول، فإنك حتماً ستفقد حصتك السوقية، لصالح منافسين أكثر فهمًا ومرونة .!.

لكن الأهم من ملاحقة ( الترند )، هو أن تجعله يمر عبرك أنت، استعن بالله أولًا، ثم بمؤشرات الاداء الرئيسية، وخبرتك الميدانية، ولغتك الوجدانية، ووعيك القيادي .. فهذه هي الأدوات التي لا تُنافس، ولا تُستنسخ ..!

✍🏼علي بن عبدالله المالكي

عضو الجمعية السعودية لتجربة العميل.