المقالات

ما بعد الراتب .. حين تبدأ العدالة من صافي الدخل!!

ما بعد الراتب .. حين تبدأ العدالة من صافي الدخل!!

 

✍🏼عبدالمحسن محمد الحارثي

في كثير من الملفات المعيشية ؛ ما زلنا نميل إلى قراءة الواقع من خلال “الرقم الاسمي” للراتب، بينما يغيب عنا الرقم الأصدق والأقسى في آنٍ واحد؛ ذلك الذي يصل فعليًا إلى يد الإنسان بعد حسم نسبة التقاعد . 

وبين هذين الرقمين ؛ تتشكل مساحة غير مرئية،لكنها حاسمة في حياة المتقاعدين وذوي الدخل المحدود.

وحين تُقرأ العدالة من زاوية الشكل لا المضمون ؛ فإننا نقترب من خللٍ في الفهم أكثر من خللٍ في الأرقام؛ إذ إن العدالة، كما يقرر الفيلسوف أرسطو ؛ ليست في معاملة الناس بالطريقة نفسها، بل في معاملتهم بما يستحقون، وهي فكرة تتجسد هنا في ضرورة التمييز بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي الذي تُبنى عليه الحياة فعليًا.

فثمة فرقٌ شاسع بين الراتب بوصفه رقمًا محاسبيًا، والراتب بوصفه قدرةً على الحياة..وبينهما تتوارى تفاصيل الحياة اليومية التي لا تظهر في الجداول، لكنها تظهر بوضوح في ضغط المعيشة، وتزايد الالتزامات، وثقل نهاية الشهر.

ومن هذا المنظور ؛يصبح الاقتصاد الناجح، كما يراه جون ماينارد كينز ؛ هو ذلك الذي يمنح الناس قدرةً على العيش بكرامة، وهو ما يعيد توجيه النظر نحو صافي الدخل بوصفه المعيار الحقيقي لتقييم القدرة المعيشية، لا الرقم الذي يسبق حسم نسبة التقاعد .

فالمتقاعد الذي يُنظر إلى راتبه قبل الخصم قد يبدو في وضعٍ مستقر، لكنه في الواقع يعيش بما يتبقى له لا بما يُسجَّل له، وهنا تتحدد الفجوة بين الصورة النظامية والواقع المعيشي الفعلي.

ومن هذا الباب ؛ تتبلور رؤية أكثر اتزانًا في مفهوم الدعم الاجتماعي، تقوم على استكمال صافي الدخل التقاعدي لمن يقل دخله بعد الخصم عن مستوى معيشي كريم، بحيث يُسدّ الفارق من قبل الدولة وصولًا إلى سقف محدد هو 5000 ريال صافيًا، باعتبار هذا السقف حدًّا أدنى للاستقرار المعيشي، لا امتيازًا إضافيًا.

ويقول الاقتصادي ميلتون فريدمان : إنّ أصعب ما في الإنفاق العام هو أنْ تُنفق المال في المكان الصحيح، وهي إشارة دقيقة إلى أن العدالة في الدعم لا تتحقق بكثرة التوزيع، بل بدقة الاستهداف، وأن كفاءة الإنفاق لا تنفصل عن عدالة الوصول.

ومن هنا ؛ فإن توجيه الدعم بناءً على صافي الدخل التقاعدي حتى سقف 5000 ريال لا يحقق فقط عدالة اجتماعية، بل يرفع أيضًا كفاءة النظام المالي، ويمنع تداخل المستحق وغير المستحق، ويحوّل الدعم من عبء إداري إلى أداة استقرار اقتصادي واجتماعي.

غير أن جوهر الفكرة لا يقف عند حدود الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى معنى أعمق يتعلق بكرامة الإنسان نفسه؛ إذ إن المتقاعد ليس رقمًا في نظام مالي، بل مرحلة عمرية تستحق قدرًا أعلى من الطمأنينة، لا مزيدًا من التعقيد في معادلات الدخل.

ومن هنا ؛ يتأكد المعنى الذي أشار إليه أرسطو حين قرر أن غاية الدولة ليست مجرد العيش، بل العيش الكريم، وهو ما يجعل معيار “صافي الدخل” حتى سقف 5000 ريال أقرب إلى روح العدالة من أي معيار اسمي آخر.

وفي النهاية ؛ تبقى الحقيقة الأوضح أن العدالة لا تبدأ من الرقم المكتوب في مسير الراتب، بل من الأثر الذي يتركه ذلك الرقم في حياة الإنسان اليومية؛ من قدرته على العيش دون ضغطٍ دائم، ومن مساحة الطمأنينة التي يوفّرها له آخر الشهر.