المقالات

الطريق إلى القلوب

الطريق إلى القلوب

 

✍🏼علي بن عبدالله المالكي

ليست القلوب حصوناً تقتحم بالقوة، ولا أبواباً تُفتح بالمفاتيح المصنوعة من المصالح العابرة، وإنما هي أراض خصبة لا يطرقها إلا الصدق، ولا يعمرها إلا الخلق الحسن .. ومن أراد الطريق إلى القلوب فليتخذ من مكارم الأخلاق زاداً، ومن حسن المعاملة رفيقاً، ومن الإحسان منهجاً.

فلا تصنع عدواً وهمياً لتحاربه، ولا تبنِ في خيالك أصناماً من الظنون لتقضي عمرك في هدمها .! إن كثيراً من معارك الحياة لا تدور في الميادين، بل في النفوس، حيث يستهلك الإنسان عمره في صراع مع أوهام نسجها بنفسه، والحكيم هو من يوجه جهده إلى البناء لا الهدم، وإلى جمع القلوب لا لتفريقها، وإلى نشر الخير لا لتتبع العثرات.

ولذلك جاء التوجيه الإلهي جامعاً حين قال تعالى ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ .. فالإحسان ليس ضعفاً، بل قوة تطفئ نار الخصومة وتبدّل العداوة مودة وقرباً .. واجعل للطيب فسحةً في قلبك ولسانك، وللعدل مكانةً في أحكامك ومواقفك، فإن العدل أساس المروءة، والمروءة من أشرف خصال الرجال، وما ارتفعت أمة إلا حين أنصفت، ولا سقطت إلا حين ظلمت ..

ثم اعلم أن صنائع المعروف لا تضيع، وإن غابت عن أعين الناس .! فكل يدٍ امتدت بالعطاء، وكل كلمةٍ جبرت خاطراً، وكل موقفٍ خفف ألماً، إنما هو غرس مبارك يعود على صاحبه خيراً وبركة .. وقد صدق رسولنا الكريم حين قال «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، فالخير حصن لصاحبه، وبركةٌ تمتد آثارها إلى حيث لا يحتسب .!.

ولا تبخل بمدح من يستحق المدح، فالكلمة الطيبة هدية لا تُكلف مالاً، لكنها قد تُحيي همة أو تنبت أملاً أو تصنع نجاحاً .. قال تعالى ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾، فجعل حسن القول عبادةً وأدباً ومنهج للحياة ..

ولا تجعل انتصاراتك لذاتك أو لـ لذاتك العابرة، بل اجعلها للقيم التي تؤمن بها، وللمبادئ التي تتحلى بها وتحفظ للإنسان كرامته .! فالعظيم ليس من انتصر على الناس، بل من انتصر على شهواته وأهوائه، وحمل نفسه على الحق وإن خالف رغباته .. 

وإذا لقيت الناس فالقهم ببشاشة الصادقين، فإن الوجوه رسائل صامتة تسبق كلمات الترحيب، واجعل من يراك يأنس إلى حضورك ويطمئن إلى حديثك، ولا تجعله يتوجس من قسوةٍ أو كبرٍ أو جفاء، وقد قال رسول الله صل الله عليه وسلم ( تبسُّمك في وجه أخيك صدقة )، لأن الابتسامة الصادقة بابٌ صغير يدخل منه الحب إلى القلوب ..

وفي نهاية المطاف، لا يُقاس الإنسان بما جمع من مال، ولا بما شيد من مناصب، بل بما تركه من أثرٍ طيب في الأرواح .! وكن صاحب معروفٍ إذا حضر أكرم، وإذا غاب ذُكر بخير، واجعل قلبك موطناً للرحمة ولسانك مأوى للكلمة الطيبة، فإن الطريق إلى القلوب ليس طويلاً، ولكنه يبدأ دائماً من حسن الخلق وينتهي إلى جميل الأثر، جعلنا الله وأياكم من المؤثرين بالخير دائماً .!