المحليات

رمضان في الرياض.. عادات وتقاليد من الذاكرة

رمضان في الرياض.. عادات وتقاليد من الذاكرة

الرياض -أقلام الخبر 

يحمل شهر رمضان في الرياض ذكرياتٍ متوارثة ارتبطت بحياة الأهالي وعاداتهم الاجتماعية، إذ ظل الشهر الكريم عبر العقود مناسبة يجتمع فيها الناس حول قيم التكافل وصلة الرحم، إلى جانب طقوس يومية تشكل جزءًا من ذاكرة المكان وتفاصيل الحياة الرمضانية القديمة في العاصمة.

 وقبل عقود، كانت الأحياء القديمة في الرياض تمتلئ بالحياة مع اقتراب موعد الإفطار، إذ يجتمع الأطفال في الحارات للعب الألعاب الشعبية التي ارتبطت بذاكرتهم في رمضان، مثل "المصاقيل"، و"الغميمة"، و"الحبشة"، وغيرها من الألعاب التي كانت تملأ أوقاتهم بين الإفطار والسحور، في أجواء يسودها الفرح والتقارب بين أبناء الحي.

 وفي حديثٍ لـ"واس"، قال عبدالحميد السلمان: إن الشهر الكريم كان يحمل طابعًا اجتماعيًا مميزًا، إذ كان الأطفال ينتظرون قدومه لما يصاحبه من أجواء مختلفة، سواء في الألعاب أو في اجتماع الأهالي وتبادل الزيارات بين الأقارب.

 وأوضح أن من أبرز العادات آنذاك التنافس بين الشباب على ختم القرآن الكريم خلال الشهر الفضيل، إلى جانب الزيارات العائلية المتكررة بين الأقارب، التي كانت تعزز صلة الرحم وتجعل من رمضان مناسبة يجتمع فيها أفراد الأسرة بشكل دائم.

 وكانت موائد الإفطار تعكس بساطة الحياة في ذلك الوقت، إذ تتصدر الأطباق الشعبية المائدة الرمضانية، إلى جانب مشروبات تقليدية مثل قمر الدين الذي كان من أكثر المشروبات حضورًا على موائد الإفطار، قبل أن تظهر لاحقًا مشروبات أخرى مثل التوت، إضافة إلى أطباق الحلوى التقليدية مثل "النشا"، التي كانت تقدم أحيانًا مع الكريمة أو ما يعرف قديمًا بـ"التطلي".

 وشهدت الموائد الرمضانية مع مرور الوقت دخول أطباق أصبحت اليوم من أساسيات الشهر الكريم، مثل السمبوسة واللقيمات، التي تحولت إلى عناصر رئيسة في المائدة الرمضانية لدى كثير من الأسر.

 ولم تقتصر ذكريات رمضان على البيوت فحسب، بل امتدت إلى الأسواق الشعبية التي شكّلت جزءًا من الحياة اليومية في العاصمة، إذ تعيش تلك الأسواق خلال الشهر المبارك حراكًا يوميًا متصاعدًا يتناغم مع إيقاع الصيام والإفطار، وتعكس حضورها بوصفها أحد أبرز مظاهر الطقوس الرمضانية في الرياض.

 ويُعد سوق الزل من أبرز الوجهات التي تشهد كثافة في الإقبال قبيل أذان المغرب، إذ يقصده الأهالي لشراء التمور بأنواعها، والبهارات، والأعشاب، إضافة إلى مستلزمات إعداد الأطباق الشعبية التي تتصدر المائدة الرمضانية، فيما تفوح في أروقته روائح القهوة العربية المحمّصة التي تُعد عنصرًا أساسيًا في المجالس الرمضانية.

 كما يشهد سوق المعقلية كثافة في الزوار بعد صلاة التراويح، خاصة في متاجر العطور والبخور والملابس التقليدية، في ظل استعداد الأسر لعقد المجالس الرمضانية التي تُعد من أبرز العادات الاجتماعية خلال الشهر الكريم.

 وفي سوق الخنيني تتنوع المعروضات بين الحبوب والتوابل والمواد الغذائية التي تدخل في إعداد أطباق شعبية مثل الجريش والقرصان، إلى جانب مستلزمات القلي والخبز التي يكثر استخدامها في هذا الشهر، بينما يبرز حضور الباعة المتجولين الذين يقدمون أطعمة محببة للصائمين بعد الإفطار، من أبرزها البطاطا المشوية التي يقبل عليها المتجولون في الأسواق خلال جولاتهم المسائية.

 أما سوق الثميري فيستقطب الزوار الباحثين عن المقتنيات التراثية والهدايا التقليدية، إلى جانب الحلويات الشعبية التي تقدم في المجالس مع القهوة والشاي, ويستعيد بعض الأهالي ذكرياتهم مع الباعة القدامى في هذا الشارع، ومن بينهم بائع البليلة المعروف "مشقاص"، الذي ارتبط اسمه بذاكرة المكان لدى كثير من سكان الرياض وزوار السوق.

 وتتحول جولات التسوق في هذه الأسواق خلال رمضان إلى طقس يومي يرتبط بتوقيت الإفطار أو ما بعد التراويح، إذ يفضّل كثير من الأهالي التجول لشراء احتياجاتهم أو الاستمتاع بالأجواء الرمضانية، فيما يحرص آخرون على تناول القهوة أو الحلويات الشعبية خلال اللقاءات العائلية أو في ساحات الأسواق المفتوحة.

 ورغم ما شهدته مدينة الرياض من تطور وتوسع عمراني، لا تزال كثير من طقوس رمضان القديمة حاضرة في ذاكرة الأهالي، الذين يحرصون على استحضار تلك العادات لما تحمله من قيم اجتماعية وثقافية أصيلة، تجعل من الشهر الفضيل مناسبة تتجدد فيها روح الألفة والتواصل بين أفراد المجتمع.