الرياض – ماهر عبدالوهاب
في قلب الزحام، حيث تمتزج دموع الخشوع بابتسامات الرجاء، وتتعالى أصوات التلبية في رحاب المسجد الحرام، يقف فتيان وشباب جمعية الكشافة العربية السعودية كأيدٍ حانية لا تلوّح فقط لتنظيم السير، بل تمتد لتحتضن طفولةً أربكها التيه، وتعيد إليها الطمأنينة في أكثر اللحظات احتياجاً للأمان.

ضمن معسكر خدمة المعتمرين الذي تقيمه وتشرف عليه الجمعية خلال شهر رمضان المبارك، وبمشاركة قطاعاتها الكشفية المختلفة من أنحاء المملكة، لا يقتصر الدور على الإرشاد والتنظيم، بل يتجاوز ذلك إلى رسالة إنسانية عميقة تتجسد في رعاية الأطفال من أبناء وبنات المعتمرين؛ أولئك الصغار الذين قد تفرقهم لحظة زحام عن ذويهم، أو يكلّفهم آباؤهم بالبقاء مع أحد الكشافين ريثما يؤدون الطواف والسعي أو يقضون شأناً عاجلًا.
في إحدى زوايا الساحات، جلس طفل لم يتجاوز السابعة من عمره، تتناثر في عينيه ملامح القلق، قبل أن يربت أحد الكشافين على كتفه مبتسماً، ويطمئنه بكلمات هادئة؛ لم تمضِ دقائق حتى تبدلت دموعه ضحكةً عفوية، وهو يجد نفسه محاطاً بفريق من الفتية يبادلونَه الحديث، ويقدمون له الماء والتمر، ويتأكدون من راحته، فيما يعمل آخرون بهدوء على البحث عن أسرته عبر القنوات المخصصة لذلك.
مشاهد كهذه تتكرر يومياً في أروقة الحرم وساحاته؛ فبمجرد العثور على طفل تائه، يتعامل الكشافة معه وفق إجراءات منظمة تراعي سلامته النفسية قبل الجسدية؛ يُهيأ له مكان آمن، ويُطمأن بكلمات أبوية، ويُمنح عناية خاصة حتى يتم التواصل مع ذويه وإعادة لمّ الشمل؛ وفي حال عهد أحد الوالدين بابنه إلى أحد الكشافين مؤقتاً، يتحول ذلك الكشاف إلى أخ أكبر، يرافقه، ويحفظه من الزحام، ويراقب تحركاته بعين يقظة وقلب مطمئن، حتى يعود به سالماً إلى أسرته.

ويؤكد عدد من القادة المشرفين على المعسكر أن رعاية الأطفال تمثل جانباً أصيلاً من رسالة الكشافة، التي تقوم على التربية بالقدوة، وتعزيز قيم الرحمة والمسؤولية وخدمة الآخرين؛ فالفتية والشباب المشاركون لا يؤدون مهمة عابرة، بل يعيشون تجربة إنسانية متكاملة تعمّق في نفوسهم معنى العطاء، وتمنحهم شرف خدمة ضيوف الرحمن في أطهر البقاع.
ولا تخلو لحظات اللقاء بين الطفل وأسرته من مشاهد مؤثرة؛ أمٌّ تحتضن صغيرها بعد قلق، وأبٌ يذرف دمعة امتنان، فيما يقف الكشاف مبتسماً في هدوء، كأنه يسلّم أمانةً أدّاها بكل صدق؛ تلك اللحظات تختصر قصة معسكرٍ تتكئ رسالته على الرحمة قبل التنظيم، وعلى الإنسانية قبل كل شيء.

في رمضان، حيث تتضاعف الأجور وتسمو القيم، يكتب فتيان الوطن سطوراً ناصعة من البذل في صفحات العمل التطوعي، مؤكدين أن خدمة المعتمرين ليست مهمة ميدانية فحسب، بل عهداً أخلاقياً ورسالة حب يحملونها على صدورهم، ويترجمونها أفعالاً في رعاية طفل، وطمأنة قلب، ولمّ شمل أسرة في رحاب البيت العتيق.

(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات