منوعات

نزيفٍ صامت

نزيفٍ صامت

بقلم الكاتبة / الجوهرة ال مرعي 

ليست كل علاقةٍ تمنحنا الدفء، فبعضها يلبس قناع الحنان بينما يزرع في الروح قلقًا دائمًا وشكًّا لا ينطفئ. العلاقات المسمومة ليست دائمًا صاخبة أو عنيفة بالضرورة؛ أحيانًا تكون هادئة، باردة، متخفية في هيئة “حرصٍ زائد” أو “نصيحةٍ متكررة” أو “غيرةٍ بدعوى الحب”. لكنها في جوهرها علاقةٌ تستنزف أكثر مما تمنح، وتُضعف أكثر مما تقوّي، وتُشعر الفرد بأنه أقلّ مما يستحق.

 

الفرد… حين يتآكل من الداخل

 

في قلب العلاقة المسمومة يقف فردٌ يتآكل بصمت. يفقد ثقته بنفسه تدريجيًا، يتردّد في قراراته، ويُراجع ذاته في كل خطوة خوفًا من اللوم أو التقليل. تظهر عليه أعراض القلق، اضطرابات النوم، وربما الاكتئاب. يعيش حالة دفاع مستمر، وكأن عليه أن يُثبت قيمته كل يوم.

 

الأخطر أن الضحية لا تدرك دائمًا أنها ضحية؛ إذ تختلط المشاعر بين التعلّق والخوف، بين الحب والاعتماد العاطفي، فيغدو الانفصال عن العلاقة أشبه بالقفز في المجهول.

 

الأسرة… حين تنتقل العدوى

 

العلاقات المسمومة داخل الأسرة تُنتج أجيالًا مثقلة بالخوف أو العدوان. الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها التحقير أو التلاعب العاطفي يتعلّم أن الحب مشروط، وأن القبول مرتبط بالأداء. فيكبر وهو إما باحثٌ دائم عن رضا الآخرين، أو متمرّدٌ لا يثق في أحد.

 

الزوجان العالقان في علاقة مؤذية لا يؤذيان نفسيهما فقط، بل يُرسلان رسائل غير مباشرة لأبنائهما عن معنى الارتباط وحدود الاحترام. وهنا تتحوّل المشكلة من شأنٍ فردي إلى نمطٍ اجتماعي متكرّر.

 

المجتمع… حين يصبح السُمّ ثقافة

 

إذا انتشرت العلاقات المسمومة، تحوّلت إلى ثقافةٍ عامة: بيئات عمل تقوم على الترهيب بدل التحفيز، صداقات قائمة على الغيرة لا الدعم، ومجتمعات تُبرّر السيطرة باسم “الرجولة” أو “الغيرة” أو “الحرص”.

 

في هذه الحالة، يتراجع الإبداع، ويضعف الانتماء، ويحلّ محلّ التعاون تنافسٌ مَرَضي. فالفرد المرهق نفسيًا لا يستطيع أن يكون مواطنًا فاعلًا، بل ينشغل بصراعه الداخلي على حساب عطائه الخارجي.

 

 

كيف نتحرّر؟… الطريق التربوي إلى الشفاء

 

التحرر من العلاقات المسمومة ليس قرارًا عاطفيًا لحظيًا، بل مسارٌ تربوي ونفسي طويل، يبدأ بالوعي وينتهي بالتمكين.

 

أولًا: التربية على الوعي العاطفي

 

تعليم الأبناء منذ الصغر أن المشاعر ليست ضعفًا، وأن لهم حقًّا في الرفض، وحقًّا في وضع الحدود. الطفل الذي يُسمح له بالتعبير عن رأيه ينشأ أكثر قدرة على حماية نفسه من الاستغلال.

 

ثانيًا: ترسيخ مفهوم الحدود الصحية

 

العلاقة السليمة لا تُلغي الفرد. يجب أن نتعلّم — ونُعلّم — أن قول “لا” ليس وقاحة، وأن المساحة الشخصية ضرورة وليست أنانية.

 

ثالثًا: تعزيز تقدير الذات

 

حين يعرف الإنسان قيمته، يصعب استدراجه إلى علاقة تُهينه أو تُقلل منه. تقدير الذات يُبنى بالتشجيع الواقعي، وبالاعتراف بالإنجازات الصغيرة قبل الكبيرة.

 

رابعًا: طلب الدعم دون خجل

 

الاستشارة النفسية ليست ترفًا، بل أداة وعي. الحديث مع مختص أو مرشد أسري قد يكشف أنماطًا متكررة لم نكن نراها. الشفاء يبدأ حين نعترف بالحاجة للمساعدة.

 

خامسًا: القرار الشجاع

 

أحيانًا يكون الإصلاح ممكنًا عبر الحوار وإعادة بناء الثقة، وأحيانًا يكون الانسحاب هو الخيار الأكثر صحة. الشجاعة هنا لا تعني القسوة، بل احترام الذات.

 

 

ختامًا… الحب ليس ساحة معركة

 

العلاقة الحقيقية ليست اختبارًا دائمًا للصبر، ولا ساحة لإثبات السيطرة. هي مساحة أمان، ونموّ، وتكامل. وكل علاقة تُفقدنا سلامنا الداخلي تستحق أن نُعيد النظر فيها.

 

ليس الهدف أن نعيش بلا خلاف، بل أن نعيش بلا إهانة. ليس المطلوب أن نُرضي الجميع، بل أن نحافظ على إنسانيتنا ونحن نحب.

 

فحين نُربّي أنفسنا وأبناءنا على الاحترام المتبادل، نصنع مجتمعًا أقلّ سُمّية… وأكثر حياة.