بقلم: أحمد الخبراني
في عالم التسويق الحديث، لم يعد النجاح مرتبطًا بحجم الميزانيات الإعلانية، ولا بكثرة المشاهير الذين يروّجون للمنتجات، بل أصبح الذكاء الحقيقي في صناعة فكرة تجعل الجمهور يتحدث عنها، ويتداولها، ويساهم في انتشارها دون أن يشعر بأنه جزء من حملة تسويقية.
وهذا ما لفت انتباهي في الحديث المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي حول افتتاح فرع «بيت الشاورما» في حي حطين شمال الرياض، أحد الأحياء التي ارتبطت في أذهان البعض بالفخامة والمطاعم الراقية والعلامات التجارية العالمية، لتأتي المفارقة بوجود مطعم يحمل طابعًا شعبيًا في موقع لم يعتد البعض ربطه بهذا النوع من المطاعم.
الفكرة لم تكن في افتتاح مطعم جديد، فالرياض تشهد افتتاح عشرات المطاعم والمقاهي باستمرار، وإنما في الطريقة التي تحول بها موقع الفرع إلى مادة للنقاش والتداول، بين من يرى أن المطعم لا يتناسب مع طبيعة الحي، ومن يعتقد أن مكانه الأنسب في أحياء جنوب الرياض أو شرقها، وكأن الشاورما أصبحت تحتاج إلى عنوان فاخر وتصنيف اجتماعي قبل أن تصل إلى المستهلك!
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التسويقية الجميلة، فبدلًا من أن ينشغل الجمهور بالسؤال التقليدي عن موقع الفرع الجديد، أصبح يتداول اسم المطعم والحي، ويناقش الفكرة، ويعيد نشرها، وربما يدافع عنها أو ينتقدها، والنتيجة أن اسم المطعم وموقعه أصبحا حاضرين في أحاديث الناس، دون الحاجة إلى إعلان مباشر يكرر عبارة «افتتحنا فرعنا الجديد في حي حطين».
ومن وجهة نظري، فإن ما حدث يقدم نموذجًا لافتًا في فن التسويق غير المباشر، الذي يعتمد على إثارة الفضول وتحريك التفاعل الاجتماعي، فالجمهور بطبيعته ينجذب إلى الأفكار التي تحمل شيئًا من المفارقة، خصوصًا عندما تصطدم بصورة ذهنية راسخة عن مكان أو منتج أو علامة تجارية، والمفارقة هنا أن مطعمًا معروفًا بأكلاته الشعبية وحضوره لدى شرائح واسعة من المجتمع أصبح محور نقاش في حي ارتبط لدى البعض بمظاهر الرفاهية.
والأجمل تسويقيًا أن النقاش لم يعد متعلقًا بالشاورما نفسها، بل امتد إلى طبيعة الأحياء والذوق العام والتنوع الاجتماعي، وهذا النوع من الجدل يمنح العلامة التجارية فرصة انتشار قد تتجاوز ما تحققه الحملات الإعلانية التقليدية، فكل تعليق يستدعي ردًا، وكل رأي يفتح بابًا لرأي آخر، ومع كل تفاعل يتكرر اسم المطعم ويتعزز حضوره في أذهان المتابعين.
ولعل أحد أهم التحولات في صناعة التسويق اليوم أن المستهلك لم يعد مجرد متلقٍ للرسالة الإعلانية، بل أصبح شريكًا في نشرها وصناعة تأثيرها، بل إن من ينتقد العلامة التجارية قد يساهم دون قصد في التعريف بها أكثر ممن يمتدحها، وهذه معادلة يعرفها جيدًا المتخصصون في صناعة المحتوى والتسويق الرقمي.
ولا أجزم هنا بأن كل ما جرى كان حملة تسويقية مخططة منذ البداية، فذلك يحتاج إلى معرفة تفاصيل الاستراتيجية التي اعتمدها القائمون على المطعم، لكن سواء كان الجدل مقصودًا أو نشأ بصورة عفوية ثم جرى استثماره، فإن النتيجة تستحق القراءة والتأمل، خصوصًا أن بعض الشركات تنفق ميزانيات ضخمة لتخبر الجمهور بمواقع فروعها الجديدة، بينما قد تحقق فكرة بسيطة ومثيرة للفضول انتشارًا أوسع وأثرًا أكثر حضورًا.
وما يستوقفني أيضًا أن هذا الجدل كشف جانبًا من التصورات الاجتماعية المرتبطة بالأحياء والمطاعم، وكأن لكل حي قائمة طعام تناسب مكانته، مع أن نجاح أي مشروع تجاري يرتبط بحاجات المستهلكين وجودة المنتج والخدمة أكثر من ارتباطه بالتصنيفات الاجتماعية، وربما كانت هذه المفارقة نفسها أحد أسباب قوة انتشار الموضوع.
أعتقد أن تجربة «بيت الشاورما» في حطين تستحق أن تُقرأ بوصفها درسًا في صناعة الاهتمام، فالتسويق الذكي لا يعني بالضرورة أن تتحدث العلامة التجارية كثيرًا عن نفسها، بل أن تنجح في خلق فكرة تدفع الآخرين إلى الحديث عنها، والأهم أن تعرف كيف تستثمر هذا الاهتمام دون أن تفقد ثقة جمهورها.
وفي النهاية، قد تدفع مبالغ طائلة لتخبر الناس بموقع مشروعك، وقد تصنع فكرة ذكية تجعل الناس يتسابقون لإخبار بعضهم عنه، وهنا يظهر الفرق بين من يشتري مساحة إعلانية، ومن يصنع لنفسه مساحة في أحاديث الناس.
فالتسويق ليس دائمًا أن تقول للناس: انظروا إلينا، بل أن تجعلهم يلتفتون إليك من تلقاء أنفسهم.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات