في المشهد الرقمي المعاصر تتشكل أنماط سلوك لافتة، حيث يمارس البعض نقدًا حادًا عبر التعليقات، بلغة تبدو صارمة وواثقة وكأنها تعبير عن مسؤولية أخلاقية تجاه الذوق العام، غير أن الصورة تتبدل سريعًا عند اللقاء المباشر، فتظهر المجاملات وتُلتقط الصور وتوثَّق لحظات التقارب التي لم تكن حاضرة في خطاب الأمس.
هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه مجرد اختلاف في المزاج، بل كظاهرة ثقافية تعكس انفصالًا متزايدًا بين الهوية الرقمية والسلوك الواقعي، إذ أصبح من الممكن تبني موقف متشدد خلف الشاشة، ثم التخلي عنه بسلاسة أمام العدسة دون شعور واضح بالتناقض.
اللافت أن النقد في هذا السياق لم يعد دائمًا أداة إصلاح أو تقويم، بل تحول أحيانًا إلى أداء اجتماعي يمنح صاحبه حضورًا افتراضيًا، فيما تمنح الصورة حضورًا واقعيًا، وبين الحضورين مساحة واسعة لإعادة تشكيل الموقف بما يتوافق مع اللحظة ومتطلباتها.
ثقافيًا، يكشف هذا المشهد عن مجتمع يعيد تعريف معنى الثبات والاتساق، حيث تتقدم الرغبة في الظهور على صلابة القناعة، ويغدو تبديل الأدوار أمرًا مألوفًا لا يثير حرجًا، في دلالة واضحة على أن العلاقة بين الرأي والصورة لم تعد علاقة امتداد، بل علاقة ظرف تحكمه الإضاءة وعدد المتابعين.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات