المقالات

الجرائم المعلوماتية.. حين يفتح الضحية الباب بيده!!

الجرائم المعلوماتية.. حين يفتح الضحية الباب بيده!!

 

✍🏼 عبدالمحسن محمد الحارثي

لم يعد اللص ينتظر ظلام الليل، ولا يحتاج إلى كسر بابٍ أو نافذة، ولا إلى التسلل عبر الأزقة الخلفية.

يكفيه اليوم رابطٌ مموّه، ورسالةٌ خادعة، واتصالٌ يتقن فن الإيهام، وثوانٍ قليلة من الغفلة؛ ليعبر إلى الحسابات، ويعبث بالمدخرات، ويترك خلفه خوفًا أكبر من الخسارة نفسها.

لقد دخل العالم عصرًا جديدًا من الجريمة؛ جريمة لا تُرى بالعين، ولا تُسمع لها خطوات، لكنها قادرة على إفراغ حسابٍ مصرفي، أو سرقة بياناتٍ شخصية، أو ابتزاز إنسان، أو اختراق منشأة كاملة، خلال دقائق معدودة.

وهو ما يمكن فهمه في سياق ما يشير إليه خبراء الأمن السيبراني حين يقولون: “البيانات أصبحت هي الثروة الجديدة”، وأن الصراع لم يعد على المال وحده بل على من يملك هذه البيانات.

إنها الجرائم المعلوماتية؛ الوجه الأكثر دهاءً في عالم الجريمة الحديثة، والأكثر قدرةً على زعزعة الثقة العامة دون طلقةٍ واحدة.

في الجرائم التقليدية يُكسر الباب، أما في هذا النمط الجديد ؛ فإن الهجوم – كما يصفه كيفن ميتنيك أحد أشهر خبراء الاختراق في العالم – لا يستهدف الأنظمة بقدر ما يستهدف الإنسان نفسه، وهنا تصبح النفس البشرية هي الثغرة الأخطر.

المقلق في هذا النوع من الجرائم؛ أن الضحية كثيرًا ما يُستدرج طوعًا إلى الفخ.

فالمحتال الإلكتروني لا يقتحم الحسابات بالقوة دائمًا، بل يتسلل عبر ما يُعرف بـ”الهندسة الاجتماعية”، أي إعادة تشكيل وعي الضحية لحظة القرار، حتى يبدو هو من يختار الخسارة دون أن يدرك.

وهنا تتحوّل الشاشة الصغيرة التي نحملها في جيوبنا إلى منفذٍ محتمل للجريمة، وهو ما ينسجم مع قول إدوارد سنودن: “الهاتف الذكي ليس ذكيًا… الذكاء الحقيقي فيمن يتحكم به”.

لقد أصبح الاحتيال الإلكتروني أكثر احترافًا من أي وقتٍ مضى.

أصواتٌ مقلّدة، وصفحاتٌ مزيفة، وروابط تشبه المواقع الأصلية، ورسائل تحمل أسماء بنوك وشركات ومنصات معروفة، حتى بات كثير من الناس عاجزًا عن التفريق بين الحقيقي والمزيّف.

وفي اللحظة التي يتغلّب فيها الاحتيال الذكي على التقنية الذكية؛ تصبح الثقة العامة هي الضحية الأولى.

وفي هذا السياق تتردد مقولة لافتة في عالم التقنية: “الثقة هي العملة غير المرئية للاقتصاد الرقمي”، وإذا اهتزت؛ اهتز معها النظام كله.

فالاقتصاد الرقمي لا يقوم على التطبيقات وحدها، بل على الطمأنينة التي يشعر بها المستخدم وهو يضغط زر “الدفع” دون خوف.

ولهذا يقول تيم بيرنرز لي، مبتكر الويب: “الويب لن ينجح إذا لم يكن موثوقًا”.

وحين تتآكل هذه الطمأنينة؛ تبدأ العلاقة بين الإنسان والتقنية بالتصدّع تدريجيًا.

القضية اليوم لم تعد شأنًا تقنيًا يخص المختصين وحدهم، بل تحوّلت إلى ملف أمني واجتماعي واقتصادي من الدرجة الأولى.

فحين يخاف الناس من التعاملات الرقمية، ويترددون في السداد الإلكتروني، ويتعاملون مع كل رسالة على أنها مشروع فخ؛ فإننا لا نخسر أموالًا فقط، بل نخسر جزءًا من الثقة التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي كله.

إن أخطر ما تفعله الجرائم المعلوماتية ليس سرقة المال فحسب، بل صناعة القلق الجماعي.

وهنا تبرز مقولة شائعة بين المختصين في الأمن السيبراني: “الاختراق الحقيقي لا يقع في الأجهزة، بل في ثقة الإنسان”.

كما يُقال أيضًا في أدبيات الأمن الرقمي: “كل رسالة مجهولة مشروع فخ محتمل” ؛ لأن المهاجم لا يحتاج إلا إلى لحظة استجابة غير محسوبة.

لقد أصبحت البيانات اليوم أثمن من النقود أحيانًا، وهو ما يلخصه مبدأ معروف في الاقتصاد الرقمي: “إذا لم تدفع ثمن الخدمة ؛ فأنت المنتج”.

ولهذا لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد عبثٍ إلكتروني، بل أصبحت استهدافًا مباشرًا للأمن الاقتصادي والاجتماعي والنفسي.

ولذلك ؛ فإن تحميل المستخدم كامل المسؤولية لم يعد تفسيرًا كافيًا.

صحيح أن الوعي الفردي ضرورة، لكن كما يقول بروس شناير: “الأمن ليس منتجًا، بل عملية مستمرة”.

فالتحقق المتعدد لم يعد رفاهية تقنية، بل ضرورة أمنية.

والرصد الذكي للحركات المشبوهة لم يعد ميزة إضافية، بل خط دفاعٍ أول.

أما حماية المستخدم؛ فهي صميم المسؤولية، لا خدمةٌ تجميلية تُضاف إلى التطبيقات.

ومن بين الحلول التي يمكن طرحها لتعزيز حماية المستخدم، إعادة التفكير في بنية عمليات السداد نفسها، عبر ربط بعض الخدمات بآلية “محافظ مسبقة الشحن” أو بطاقات دفع محددة الاستخدام، بحيث لا تُنفَّذ العمليات إلا عبر جهات موثوقة ومُدرجة ومحمية ضمن منظومة رسمية مغلقة تُدار وتُراقَب بشكل مركزي.

فكلما تقلصت نقاط الاتصال المباشر بالحسابات البنكية، تقلّصت معها مساحة الاستهداف، وبقيت المسؤولية موزعة داخل منظومة حماية لا على الفرد وحده.

وفي النهاية ؛ يبقى المشهد كما يلخصه كيفن ميتنيك:

“أصعب نظام في الاختراق هو الإنسان… لأنه يملك قرار أن يثق”.

وفي عالمٍ أصبحت فيه الهواتف محافظ مالية، والمنصات بوابات حياة يومية ؛ لم يعد السؤال:

هل يمكن أن نتعرض للاختراق؟

بل: هل نملك أنظمة ووعيًا قادِرَيْن على تقليل الخسائر واستعادة الثقة؟

ولأن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي:

أن اللص الإلكتروني لم يعد يبحث عن باب المنزل… بل عن لحظة غفلةٍ خلف الشاشة!!