تقرير صحفي - بشرى عبدالعزيز
“الذاهب مفقود، والعائد مولود”؛ لم تكن هذه الكلمات مجرد مثل شعبي يتداوله الحجيج قديماً، بل كانت واقعاً يسطرونه بدموع الوداع وكتابة الوصايا قبل الانطلاق. ففي زمن ما قبل الطرق المعبدة والقطارات السريعة، كان الحج رحلة ملحمية تقايض فيها الأرواح بالشوق لبيت الله الحرام، حيث كان الحاج يودع أهله وداع من لا يرجو لقاءً، منطلقاً في رحلة قد تستغرق عاماً كاملاً من الصبر والمجاهدة وسط فيافي الصحراء القاحلة.
لم يكن المسير نحو مكة المكرمة نزهةً فردية، بل كان تنظيماً جماعياً دقيقاً تقوده “القوافل” الكبرى كالشامية والمصرية واليمنية لضمان الحماية والنجاة. وعلى رأس كل ركب يقف “أمير الحج”، وهو القائد الذي تقع على عاتقه مسؤولية تأمين المؤن، وحماية الحجاج من تيه المسالك، وإدارة شؤونهم وسط الصحاري الوعرة. هذه القوافل لم تكن مجرد تجمع للمسافرين، بل كانت مدناً مصغرة تمخر عباب الرمال، تحمل على ظهور إبلها الزاد والماء، يملؤهم التسليم لدرجة أن بعضهم كان يحمل كفنه معه، لا خوفاً، بل شوقاً لنيل شرف الجوار الأبدي في تلك البقاع الطاهرة إذا ما حان الأجل.
خلف سكون الرمال، كان الحجيج يخوضون معركة يومية مع قسوة الطبيعة؛ فبين لهيب الشمس نهاراً وبرد الصحراء القارس ليلاً، كان الصبر هو الزاد الحقيقي للركب. ولم تكن الرحلة تخلو من تحديات جمّة، تبدأ من شح آبار المياه في المسالك البعيدة، وصولاً إلى الترقب الدائم لخطر قطاع الطرق الذين كانوا يمثلون هاجساً أمنياً يفرض على القوافل حذراً وتكاتفاً وثيقاً. كما لم تكن الأبدان بمنأى عن وطأة الأمراض والأوبئة التي كانت تفتك بالمسافرين أحياناً نتيجة التعب الشديد ونقص الرعاية، مما جعل من الوصول إلى مكة المكرمة معجزة صمود حقيقية. ورغم هذه المشاق، كانت الروحانية العالية تُنسي الحاج تعب جسده، وتدفعه لمواصلة المسير عبر فيافي الصحراء برضاً وتسليم، سعياً لنيل الأجر والمغفرة.
وعلى وقع خطى الإبل الوئيدة، كانت الرحلة تمتد لأشهر طوال، ففي حين يستغرق الحجاج القادمون من الأقاليم المجاورة ثلاثة أشهر ذهاباً وإياباً، كان قاصدو البيت الحرام من الديار البعيدة في المغرب العربي أو أقاصي آسيا يقضون ما يقارب العام الكامل فوق ظهور العيس. وفي طريقهم، كانت المحطات التاريخية كـ “درب زبيدة” تتحول عند وصولهم من مجرد آبار صامتة في قلب الصحراء إلى أسواقٍ عامرة تضج بالحياة وتبادل الثقافات لعدة أيام. هذا الغياب الطويل والمسير المحفوف بالمجهول جعل من لحظة خروج الحاج من بلدته مشهداً إنسانياً مهيباً، حيث يودعه أهله بدموع الوداع الأخير، في لحظات تختصر مرارة الفراق وأمل اللقاء في مشهد لا يمحوه الزمن.
اليوم، طويت صفحات تلك المعاناة، وتحولت رحلة الأشهر إلى ساعات من الطمأنينة بفضل أساطيل النقل الحديثة وشبكة الطرق المعبدة التي طوعت الصحاري. ويأتي هذا التحول الكبير امتداداً للجهود المتواصلة التي تبذلها حكومة المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعم مباشر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حيث سخّرت الإمكانات التقنية والبشرية لتطوير منظومة الحج والعمرة بشكل غير مسبوق. فقد شهدت المشاعر المقدسة توسعات كبرى في البنية التحتية، وتحديثاً شاملاً في منظومات النقل مثل القطارات الحديثة، إضافة إلى التحول الرقمي في الخدمات عبر التطبيقات الذكية التي تسهّل إجراءات الحاج منذ وصوله وحتى مغادرته، إلى جانب تعزيز الجوانب الصحية والأمنية لضمان أعلى معايير السلامة.
إن ما يشهده الحاج اليوم من أمان ورعاية فائقة ليس مجرد تطور تقني، بل هو انعكاس لرؤية استراتيجية طموحة تهدف إلى خدمة ضيوف الرحمن وتيسير أدائهم لمناسكهم بكل يسر وطمأنينة، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي جعلت من خدمة الحجاج أولوية وطنية مستدامة. وهكذا تحوّل “درب المخاطر” القديم إلى مسارٍ أخضر من الراحة والسكينة، لتظل مكة المكرمة وجهة القلوب التي يقصدها الملايين بيسرٍ وأمان، شاهدةً على أعظم تحول في تاريخ الرحلات البشرية.
(0) التعليقات
تسجيل الدخول
إضافة رد على التعليق
الردود
لا توجد تعليقات