المقالات

الإنسان السعودي .. رأس المال الأغلى

الإنسان السعودي .. رأس المال الأغلى

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

"اعلم أن كثرة الأمم إنما تكون بكثرة النسل، وكثرة النسل تزيد في العمران".

بهذه العبارة المكثفة ؛ لخّص ابن خلدون قبل قرون علاقة الإنسان بالتنمية، والسكان بالعمران، والأجيال بمستقبل الأمم. 

وما زالت هذه الحقيقة، رغم تغير الأزمنة وتبدل الأدوات ؛ تحكم مسيرة الدول الناجحة حتى يومنا هذا.

فالأمم لا تُقاس بما تختزنه أراضيها من موارد طبيعية فحسب، ولا بما تشيده من أبراج وطرق ومصانع ؛ وإنما تُقاس قبل ذلك كله بما تملكه من إنسان قادر على البناء والإنتاج والابتكار. 

فالنفط ثروة، والمعادن ثروة، والاستثمارات ثروة ؛ لكن الإنسان هو الثروة التي تُنتج كل الثروات.

ومن هنا ؛ فإن أي قراءة للمشهد السكاني لا ينبغي أن تُختزل في أرقام وإحصاءات جامدة، بل يجب أن تُقرأ بوصفها مؤشرات لمستقبل المجتمع والدولة. 

وحين تظهر بيانات تشير إلى تباطؤ النمو السكاني أو إلى تقارب أعداد المواليد والوفيات ؛ فإن القضية تستحق التأمل الهادئ والدراسة العميقة؛ لأنها تمس المورد الأثمن الذي تملكه البلاد: الإنسان السعودي.

لقد أدركت المملكة منذ وقت مبكر أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه..فاستثمرت في التعليم والصحة والتأهيل والتمكين، ووضعت الإنسان السعودي في قلب مشاريعها الوطنية الكبرى. 

غير أن المحافظة على هذه الثروة لا تكون فقط بإعداد الإنسان بعد ولادته، بل كذلك بتهيئة البيئة التي تساعد على تكوين الأسرة واستقرارها ونموها.

وهنا تبرز ظاهرة اجتماعية تستحق الوقوف عندها ؛ وهي تأخر سن الزواج لدى شريحة من الشباب والشابات، حتى أصبح بلوغ الأربعين دون زواج واقعًا يتكرر أكثر مما كان عليه في الأجيال السابقة..وهي ظاهرة لا يجوز تبسيطها أو اختزالها في سبب واحد ؛ لأنها نتاج عوامل متداخلة اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية.

فارتفاع تكاليف الحياة، والمبالغة في بعض متطلبات الزواج، وتضخم سقف التوقعات، وتغير أنماط التفكير ؛ كلها عوامل ساهمت بدرجات متفاوتة في تأخير تكوين الأسر. 

كما أن الانفتاح الواسع الذي حمل فرصًا عظيمة للتعلم والتطور والانطلاق ؛ حمل معه في الوقت نفسه تحديات جديدة تتعلق بالعلاقات الاجتماعية ومعايير الاختيار.

لقد أصبح بعض الشباب يبحث عن زوجة مثالية لا وجود لها إلا في الخيال، كما أصبحت بعض الفتيات تبحث عن زوج يجمع كل الصفات والمزايا دون نقص. وهنا تحضر حكمة الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو : "العدو الأكبر للخير هو البحث المستمر عن الأفضل".

فالكمال لا يُطلب في البشر ؛ وإنما تُطلب المودة والرحمة وحسن العشرة والقدرة على بناء حياة مشتركة. 

وما أكثر الفرص التي ضاعت، والأسر التي لم تتكوّن ؛ لأن أحد الطرفين كان ينتظر صورة مثالية لا وجود لها في الواقع.

وليس من الحكمة أن نحمّل الانفتاح وحده مسؤولية الظاهرة، كما ليس من الإنصاف أن نتجاهل أثره. 

فالانفتاح أتاح فرصًا كبيرة للنمو والتطور، لكنه في المقابل رفع سقف المقارنات، ووسّع دائرة التوقعات، وجعل بعض الناس يقيس حياته اليومية بمعايير مصطنعة تُعرض على الشاشات أكثر مما تُعاش على أرض الواقع.

ومن المؤسف ؛ أن تتحول بعض الزيجات إلى مشاريع استعراض، وأن تتحول بعض المناسبات إلى منافسات اجتماعية تُرهق الشباب وتؤخرهم عن اتخاذ القرار الطبيعي الذي اتخذته أجيال متعاقبة قبلهم بيسرٍ وسهولة.

إن الأسرة ليست علاقة خاصة بين رجل وامرأة فحسب، بل هي المؤسسة الأولى التي يتشكل منها المجتمع كله. 

وكل أسرة مستقرة ؛ هي مصنع للقيم، ومدرسة للمواطنة، وحاضنة للأجيال، ومصدر للاستقرار النفسي والاجتماعي. ولذلك ؛ فإن تيسير الزواج ليس خدمة للأفراد وحدهم، بل استثمار وطني طويل المدى.

ومن هنا ؛ فإن معالجة الظاهرة تتطلب رؤية شاملة لا تكتفي بالوعظ أو اللوم، وإنما تنطلق من فهم الأسباب الحقيقية، والعمل على تخفيف الأعباء المالية، وتعزيز ثقافة الاعتدال في المهور والمناسبات، وتطوير برامج الإرشاد الأسري، وترسيخ صورة واقعية ومتوازنة عن الحياة الزوجية ، وقد لخّصت حكمة صينية شهيرة جوهر القضية بقولها:

"إذا كنت تخطط لعام فازرع قمحًا، وإذا كنت تخطط لعشر سنوات فازرع شجرة، وإذا كنت تخطط لقرن فابنِ إنسانًا".

وما من بناء للإنسان أعظم من أسرة مستقرة تحتضنه منذ طفولته، وتغرس فيه القيم، وتمنحه الأمان، وتعدّه ليكون عنصرًا نافعًا في وطنه ومجتمعه.

إن المملكة وهي تمضي بثقة نحو مستقبلها الطموح ؛ تحتاج إلى المشروعات العملاقة، والاستثمارات الكبرى، والتقنيات الحديثة، لكنها تحتاج قبل ذلك وبعده إلى الإنسان السعودي؛ لأنه العقل الذي يفكر، واليد التي تعمل، والروح التي تبني، والطاقة التي تدفع عجلة التنمية إلى الأمام.

فكل مولود جديد ليس رقمًا يُضاف إلى تعداد السكان، بل طبيبًا محتملًا، أو مهندسًا واعدًا، أو معلمًا مؤثرًا، أو عالمًا مبتكرًا، أو رائد أعمال يفتح أبوابًا جديدة للنمو والازدهار.

لذلك ؛ تبني الدول طرقها وجسورها ومصانعها في سنوات ؛ لكنها تبني إنسانها في أجيال.

وبين فرحة مولودٍ يُبشِّر بالمستقبل، وحزن مفقودٍ يُطوى برحيله فصلٌ من العمر ؛ تستمر رحلة الوطن جيلاً بعد جيل. 

وما بين هاتين اللحظتين ؛ تتجلى الحقيقة الكبرى: أن الأمم لا تُبنى بما تملك من موارد فحسب، بل بما تُنجب من رجال ونساء قادرين على حمل الأمانة وصناعة الغد. 

وإذا كان النفط ثروة المملكة في باطن الأرض، فإن الإنسان السعودي هو ثروتها المتجددة فوق الأرض؛ فكل مولود إضافة إلى رصيد الوطن من القوة، وكل أسرة مستقرة لبنة في صرحه، وكل جيل جديد امتداد لمسيرته. 

وصدق ابن خلدون حين ربط كثرة النسل بكثرة العمران؛ فالعمران في آخر المطاف ليس حجارةً تُرصّ، بل إنسانًا يُبنى، والإنسان السعودي سيبقى رأس المال الأغلى، وأعظم استثمار في مستقبل الوطن!!